مدوّنة الكاتب الكرديّ : عبداللطيف الحسيني .

السبت، 8 أكتوبر 2011

حجرة عبد اللطيف . للكاتبة و الباحثة المغربيّة لطيفة لبصير .

للكاتبة والباحثة المغربيّة لطيفة لبصير .

(لطيفة لبصير )
حجرة عبد اللطيف .
حجرة عبد اللطيف وهو يجلس فوق السرير، كان جسده قد أصبح مثلث الزاويا، وكانت الزاوية الرابعة قد غادرت جسده، وكان يزداد انكماشا. تقوس ظهره حتى سقط رأسه في وسط جسده ثم غاب فجأة ليحضر كأس قهوة سوداء، ويبدأ في الصراخ مع كل رشفة وكأنه يرتشف جسده قطعة قطعة، ثم نظر... إلى السرير، وأحس بكره شديد لهذا السرير الذي يبعده عن الأرض والذي يفقده التوازن، قام واقتعد الفراش اليتيم في الحجرة، ثم أحس بأنه لا يشعر بالراحة أيضا، غادر باب الحجرة إلى جوار المنزل وتساقط على الأرض، كانت الأرض تشعر به وتمنحه شيئا من الاحساس. كانت تشعره بأنه يوجد بينه وبينها علاقة قرابة حقيقية، ثم شرع يشرب الفنجان تلو الآخر، القهوة السوداء وفناجين تنتظر وقلق متربص به يتوثب للانقضاض على جسده النحيل. وهو يحدق جيدا، كانت عينا دارين قد اتسعتا بخوف رهيب، نظر إليها وهي ترتدي ألوان الفرح، قبل جبينها وطلب منها أن تغادر المكان فورا، وأخرج سجائره وشرع يلتهم السيجارة تلو الأخرى، كان يقبل الورق الشفاف، وكأنه يشعر بالذبول أمام السيجارة، وكان الورق كلما تبلل برذاذ فمه، يشعر هو بالاحتراق، لكنه لم يتوقف. عاد إلى الحجرة، كانت تئن بالذكريات، هنا كان ياسين يضحك وهو يقلب صفحات الجرائد والمجلات ويحمل القصائد الجديدة، وبالخارج كان يقف محمد متأبطا أوراقه الكثيرة المرتبكة وكأنه بعد قليل كان سينشر الخلاص من الموت. كان يأتي محملا بالرغبة والجنون والكلام الكثير، وكان الدخان ينبعث من الغرفة مع أكل لذيذ ولغو كثير، يتذكر ذلك وهو ينظر إلى كتبه الكثيرة التي صارت منزعجة لأنها لم يمسسها أحد منذ زمن، ولم تغازلها يد أو عين. ينظر إليها: هل كانت هذه الكتب بقادرة على محو العبث الذي يوجد بالخارج؟ هل كانت تستطيع إيقاف زحف الدم؟ هل كانت بقادرة على الصراخ في وجه القاتل؟ ليس يدري... قام إليها، كان أبو العلاء المعري يعانق الجاحظ، ليس يدري لماذا يلثم الكتابان بعضهما وكأنهما يعلنان حلف المضي قدما جنبا إلى جنب. كان الجاحظ يتجلى بسخريته اللاذعة وهو يردد:"متع الدنيا ثلاث...أكل اللحم، والجلوس إلى اللحم ودخول اللحم في اللحم"، وكان أبو العلاء يقول: "تعب كلها الحياة...فما أعجب إلا لراغب في ازدياد". كانت الحياة تجاور الموت، وكأنهما يتعانقان عناقا أبديا، قام عبد اللطيف وأبعد الكتابين عن بعضهما البعض، الجاحظ يعانق المعري هكذا ويلثم جبينه ...الآن هو لا يريد ذلك، هو يكره حتى الأوراق المتناثرة بداخل الحجرة، لكنني قدمت إلى هناك، نظر إلي نظرة باردة، كان جريحا جدا، قال لي: أتشربين قهوة سوداء؟ نظرت إليه وقلت: أليس عندك غير القهوة؟ هذه القهوة هي حادة...لونها أسود، وهي تشرب في الحداد، وعند الرغبة في اليقظة، وأنا لا أريد صحوا الآن، أريد أن أتهادى قليلا...وأن أتحدث إليك... - وماذا تشربين يا عزيزتي؟ نظرت إليه بهدوء تام، وقلت: أريد شايا، فالشاي مخادع له لون النبيذ وطعم الرغبة في الحياة، أريد شايا، لأنني أشعر بأنه يمنحني جزءا من الأنس... كان عبد اللطيف قد أخرج هذه الكلمة من قاموسه السري، فلم يعد يشعر بالكائنات منذ زمن، صار الأنس بعيدا، وصار للألفة منظر الدم في كل يوم، والألم عم المكان والأشخاص والأدمغة... نظرت إليه ثم قلت وأنا أتأمل عينيه الحزينتين جدا: - أتدري يا عبد اللطيف أن للشاي أنس غريب، فحينما أضع هذا الإبريق أمامي، فأنا أضع كؤوسا كثيرة حتى لو كنت وحيدة، وأفترض دوما أن أناسا آخرين سيحضرون، حتى لو غابوا، سيأتون ليجتمعوا حول الصينية الدائرية، لأنها تعشق الدائرة، ويتخلق السمر والكلام، لذا اعتدت أن أشرب الشاي بكؤوس كثيرة حتى في أحلك لحظات عزلتي...أما القهوة فهي فردية لأنها تكره الأنس، وهي سليلة العزلة ولا تريد آخرين، إنها تريد الانزواء والتأمل، أما الشاي فهو يقدم لك أشخاصا آخرين...حتى لو لم يحضروا، صدقني عبد اللطيف، سيأتون إننا بانتظارهم... كان عبد اللطيف قد التوى في مكانه الخاص، وانزوى ليحكي ألمه بكل الألوان والأشكال، مرة ينط من فوق البئر مع طفله، ومرة يجلس منكمشا فوق أمكنة بئيسة، ومرة يمسك برأسه بألم قوي، ويصرخ، ومرة يسابق طفله ويبدو له القادم بعيدا بعيدا جدا... كان عبد اللطيف يتحدث عن ابن الفارض وعشقه الصوفي، حتى دخلت كل الوجوه إلى حجرته، كان قد ملأ الحجرة بكل الآخرين، صاروا أمامنا، ومعنا وفينا، وبدؤوا ينشرون رسائلهم على أرض حجرته: نائلة...سعيد...ياسين...سلوى...الكل ينشر رسائله على الأرض، وعبد اللطيف يغرق في الزحام والأصوات واللغة والكلام من كل بقاع الدنيا وبكل اللهجات، وبدأ يشعر بالآخرين...وكأنه يقتات منهم ويقتاتون منه...وضعوا الرسائل وانصرفوا... كنت ما أزال أرتشف الشاي بهدوء، وقلت له: ألم أقل لك إن الكؤوس الفارغة تستحضر الأرواح الغائبة، إنهم حضروا هنا لأنهم شعروا بأننا ننتظرهم. كان عبد اللطيف ينظر إلي، ملأ كأس الشاي وبدأ يشرب بنفس الهدوء، وتصلب ظهره، وقال لي: وأين رسالتك أنت؟ قلت له: أما زالت لم تصلك رسالتي...لقد جئت من هناك لأحضر معي كل الضجيج، وشربت كأسا مليئة بالحياة، والآن سأنصرف وأترك رسالتي الأخيرة معك... كان عبد اللطيف ينتظر شيئا ما، فتش عن الرسالة، هربت إلى الخارج، دار في الحجرة متوعدا، متربصا، محدقا، تائها، ثم عاد إلى الكأس، فوجد فوق الصينية رسالة صغيرة فتحها وقرأ كلمات صغيرة أيضا: " في قلبي جرح قديم...عبد الهادي بلخياط" طوى عبد اللطيف الرسالة، وبدأ يتساءل....
إرسال تعليق