مدوّنة الكاتب الكرديّ : عبداللطيف الحسيني .

الثلاثاء، 31 مايو 2011

ي ا س ي ن .

ي ا س ي ن .
 
عبد اللطيف الحسيني
غسان جان كير . عامودا .


هذا هو أنت - يا ياسين -  مُقطعاً و مُشتتاً , ذهنُكَ هنا وروحُكَ هناك وقلبُك هنالكَ , فلا طابَ بك المقامُ أينما كنتَ في هذه الأرض التي قِيل عنها بأنها أرضُ الله الواسعةُ , ولا بارك اللهُ لِمَنْ ضيّقها وأضاعتكَ - نا .
يا ياسين لم تفكّر إلا  بأنانيّتكَ , فبالله عليكَ ما الذي تبدّلَ , أو تغيّر,  خاصّة وأنت الذي لازمتَ الفقرَ ولازمّكَ طوالَ عمركَ , ولو أنّ البسمة الصّفراء لم تغادرْ وجهَكَ , بل  أصدرتَها إلى وجوه الآخرين الأكثر صُفرةً وقيحا ( إنّه عصرُ القيح والقُبح بأشرس وأعنف أشكاله ) , ولأنّا نعرفُكَ خيرَ تعريف ( بربّكَ هل لك أسرار حتى نجهلكَ ؟.) لم نعهدْك إلا وأنت عابدٌ للمال , فلك بيتٌ استأجرتَه , ولديك تلفاز لا يعمل إلا بالضربات عليه حتى يُسمعّك صوتا من أنكر الأصوات حيث يتحوّل صوتُ فيروز إلى صوت فنّانة في هذا الزمن :( زمن البغايا ) , وكنتَ تملك غسالة لا تعود إلى زمننا الأغبر الرماديّ الذي أنكره جدُّنا صاحب اللحية الفوضوية :( ماركس ) , وعندك ( ببور ) يعمل على الغاز كانت الأُسرُ الميسورة تتمنّاه لها قبل خمسين عاما ( فسحقا وتبّا لعمركَ الذي ضيّعته في الكتابة والقراءة )
بربك ماذا تريد وأنت الذي كنتَ ترفّه نفسَك في الأسبوع مرّة واحدة بوجبةٍ دسمة من فلافلنا التي إنْ شممْتَها تكره الدنيا وأطعِمَتَها من كثرة ما عبّأنا بطونَنا من هذه الفلافل التي شتمها وأصحابها ( حنا مينه ) تجنيّا عليها .
لم تملك مُكيّفاً – نعلم ذلك قبلكَ – في هذا الصّيف- الأصياف التي جُعلتْ قطعة من الجحيم مُنصبّة على وفي قلوبنا بفضل وكرم العباد غير المحسوب و غير المحسوس , لكنْ - يا ياسين - كانت لديك مروحة سقفية يسمعُ الجيرانُ صوتها حين  تدور بها الدوائرُ "وما أدراك ما الدوائر ؟ " ونعلم أنّ المروحة تلك التافهة تعطّل قلبُها ولم تسأل عليها , ولماذا تسأل وقلوبُ البشر قد تعطّلت وأذهانُهم , إنّنا نوبّخك ونعنّفكَ :كانَ بإمكانك أنْ تكيّف نفسك وأُسرتك بمروحة قَشّ كان جَدُّ جَدّكَ يستعمُلها أيّام سفر برلك ( وهل أنت أفضل من ذاك الجد ) ؟
كنتَ تسكنُ في بيت مُتداع لولا ربُّكَ الأعلى لتهاوى على رأسك وعلى تلفازك , بيتٌ يأويك من الذئاب ومن زمهرير الشمال الذي يوفر عليك " المازوط " , لن نأتي بالحديث عن ملابسكَ القليلة , فما عليك إلا أن تحمد ربَّكَ على معطفكَ ( الغوغولي ) الذي لم يُبلَ منذ ربع قرن , يبدو أنك نسيتَ كيف كنّا نُرقّع ثيابّنا أيامَ الخير والبركة ؟, ربما تقول هل من عائلة تعيش بعشرة آلاف ليرة طوالَ شهر مدجّج بهموم تساوي خمسة وعشرين ألفا قبيحا .
إليك هذه الفاتورة التي يجب أن تتكيّف معها حين كنتَ معنا في هذا العِواء : إن تكلفة الفطور لا تساوي إلا خمس ليرات وربع , فإبريق الشاي يُحضّر ب "واحد غرام " ليكون لونُه أقرب إلى الاصفرار منه إلى الاحمرار- وإن شئتَ - ألا يكون له أيُّ لون مثل زمن لا لون له ولا طعم ولا ذوق " .لا تنسَ أنْ تفتّتَ خبزك "البايت" في ذاك الشاي الذي تعطيه بعنف ل ( بيريفان ) وبشرط أنْ تنبّه زوجتك أنْ تحتفظ بذاك الشاي لتقدّمه لضيوف ثقلاء -غسان وعبد اللطيف: مثالين فظّين-  يطرقون بابَكَ في وقت كنتَ تفكّر بأن الشاي ذاكَ ادخرتَه لفطور قادم : أَسمعُ خفقَ أجنحةٍ .... سلاماً للحياة .
ما أخبار حاسوبكَ الذي لم تدفع أقساطه بعد ؟
ماذا تأكل الآن ؟ ونحن على علم ما كنتَ تأكله عندنا وتواظب عليه في غدوك وعشائك , وهو سندويشة ربّ البندورة مفتت عليها النعناع اليابس يا صاحب العقل اليابس .
ما هذه الرفاهية يا ياسين , فلديك الهاتف والكهرباء والماء , ألا تتذكّر كيف كنا نعيش قبل قرن – اتّقِ الله يا رجل .
من أين كنتَ تأتي بخمسمئة ليرة لتقومَ بواجب "شيرانيّ " :( يجب أن تُقرأ هذه الكلمة بالكردية ) – طنش ,. تعش .
أنتَ بطران ! لماذا كنتَ ترمي بأعقاب سجائرك وقد بقي فيها بضع مليغرامات من تبغ لم يحترق ؟ ألم تستطع أنْ تجمع خمسة أعقاب لتصنعَ منها سيجارة فاخرة من نوع "كولواز تهريب "  ترحّب بكم .
مَنْ أجبرك يا ياسين أن تستدين كلّ أسبوع خمسمئة ليرة ثمناً لدواء والدتك وأنت الذي رددْتَ عليها ثمنَ مئة تنكة حليب من التي أرضعتكَ .
عزيزي ياسين : هذا الزمن الخؤون خُلق لغيركَ , فادفنْ نفسَك حيًّا في نعش وأرسلْه إلينا لنقومَ بالواجب  , لكنّ السؤالَ الجوهريّ : مَنْ سيدفنُنا ,؟ ومَنْ سيقوم بالواجب إنْ دُفنّا أحياء ؟.

 ================
ياسين حسين : شاعر و مترجم كردي معروف , له العديدُ من النشاطات الثقافية , و له كتابان مطبوعان , وكتاب ثالث تحت الطبع .

الاثنين، 30 مايو 2011

الشقة رقم 24- لطيفة لبصير : (كاتبة وباحثة من المغرب ) .







لطيفة لبصير : (كاتبة وباحثة من المغرب ) .

الشقة رقم 24
من الصعب التكهن بما يحدث في الشقة رقم 24 …
منذ شهرين تقريبا، انتقلت إلى الشقة رقم 23، لم أعرف في البداية من الذي يقطن في الشقة المجاورة، وخمنت أن يكون رجلا عازبا وهذا ما كنت أتمناه فعلا، وزاد اطمئناني حين لم أجد ممسحة الأرجل ممدودة أمام المنزل، فغالبا ما تكون الممسحة لمسة أنثوية، لا أدري هل هي لمسة أنثوية أم لا، ولكن ربما تفكر المرأة في كثير من الأحيان بممسحة الأرجل، لأنها تخاف على البلاط من أن يتسخ بالأحذية، فتقوم هي بتنظيفه. اشتريت أصص النباتات، ووضعتها أمام الشقة بشكل أضفى على المكان رونقا هادئا، أستشعره حين ألج إلى الشقة، وقد انتظرت أن يعمد صاحب الشقة المجاورة إلى أن يضع أصصا تجاور أصصي، لكنه لم يفعل، فخمنت مرة أخرى أنه لا يعشق النباتات، وارتعبت للأمر. كيف سأجاور شخصا لا يعشق النباتات ولا النظافة، ولكنني بدأت أسمع موسيقى كلاسيكية تنبعث من الشقة، لم أكن أستطيع أن أفتح باب الشقة، لأنني أخاف أن أجد نفسي وجها لوجه معه في الخارج، وبالتالي قد يعتبرني متطفلة على ذوقه الخاص، ولكننا نعشق نفس الموسيقى وما يطبعها من عنف في الأداء. كان الموسيقي كيت جاريت وهو يؤدي مقطوعاته العنيفة ويصرخ مضيفا لإيقاع موسيقاه عنفا جسديا وصوتيا، وكان الإيقاع يعلو ويعلو مخلفا وراءه رغبتي في نظرة واحدة إلى من يقيم بجانبي. في يوم آخر، وحينما كنت عائدة من عملي الإداري الرتيب، كانت روحية قد أتعبتني بكل ما لديها من ملفات سرية مكررة، فلم تعد هناك أسرار في الشركة، حتى السكرتيرة الشقراء ، أصبحنا نعرف أنها عشيقة المدير العلنية ولم يعد بالإمكان إخفاء ذلك وأنه اشترى لها منزلا في العمارة المجاورة للشركة حتى يسهل عليه التنقل بين الشركة والسكرتيرة وبعدها الزوجة. لم يحدث شيء في ذلك اليوم، كما أن الموظف الذي كان يهددنا دوما بالانتحار لم ينتحر ظانا بأنه سيخلف لدينا إحساسا بالذنب لكوننا لم نهتم به وبملفاته المطلبية، وما زال يهددنا ونحن نغادر مقاعدنا في اتجاه باب الخروج في أدب وتستر معتادين. ولكن حدث شيء آخر، لقد بارحت أصص النباتات مكانها المعتاد بشكل صارت معه موزعة بيني وبين الشقة رقم 24 ، مما أغضبني. كيف تتحول الأصص دون إذن مني، ودون حتى أن يكلف نفسه عناء الطلب والرغبة وقرع الجرس. أليس لي جرس خاص؟
أعدت الأصص إلى مكانها المعتاد، بحيث حرمت مدخل شقته من النباتات الخاصة بي، ولكن النباتات كانت تطل على المدخل بتطاول أليافها، وكأنها ترغب في معانقة ألياف أخرى لم يأبه هو بإحضارها… وبعد أن وضعت الصلصة البيضاء على السمكة، وشرعت أدهنها بها قبل أن أدخلها إلى الفرن، انبعث كيت جاريت من جديد بعنفه الذي بدأت أعتاده، فكرت في أن أطرق الباب لأقول له بأن من يجاور موسيقى ذات حساسية عالية، لا يسطو على النباتات المجاورة دون إذن.
ربما يكون مناضلا من المناضلين الذين عرفتهم في الحي الجامعي، يكون لهم اهتمام بقضايا عامة دون أي هدف أواستراتيجية ، حتى أنني لم أكن أعرف أين يناضلون في الحي الجامعي، كانوا يتحدثون عن نضالهم باهتمام بالغ الأهمية، وحين نسألهم أين يناضلون؟ يردون في الساحة الطلابية.
في العاشرة مساء، فتحت الباب لأتفقد الأصص، فوجدت أن زهرة مدادية اللون قد انضافت إلى أحد الأصص، وأنها اتخذت وضعا خاصا في أصيص الأزهار الوردية اللون، فأحدثت وقعا جماليا خاصا، غير أنني لم أصل إلى تحديد معناه. حملت الزهرة إلى الداخل…كنت أريد أن أثير زوبعة صغيرة، وأن أغير قصيدة فنجان القهوة لجاك بريفير، حين كان ينتظر من الآخر أن يقول شيئا، أن يتكلم معه، أن يحاوره بما أنه يجلس إلى جواره، لكنه غادر بعد أن رتب كل التفاصيل الصغيرة، ووضع الحليب والقهوة والسكر والملعقة…كل التفاصيل الكثيرة التي كان ينتظر الآخر أن يغيرها… ولكن لم يحدث شيء، ما زال صوت كيت جاريت يرتفع بين الفينة والأخرى، الممسحة الغائبة والأصص التي تتغير من حين إلى آخر، لتشعرني بأن هناك شيئا ما يحدث.
ذات مساء وجدت البواب يغير أصص الأزهار ويوزعها بيني وبين الشقة المجاورة، فنطقت دون أن أفكر:
- ماذا تفعل؟
- أوزع الأزهار بينك وبين هذه الشقة حتى أمنح للطابق جمالية أخرى…
- إنها أصصي الخاصة وأنت توزعها بيني وبين الجار…
- سيدتي …لا يسكن هنا أحد…
- والوردة المدادية اللون التي وجدتها ؟
- أنا الذي وضعتها…
- والموسيقى التي تنبعث من شقته بصوت عال…
- إنه ابن الجيران في الطابق العلوي وهو من يواظب على سماع الموسيقى…
بقيت مسمرة أنتظر…الشقة خالية…خالية…خالية… لكنها حتما ستضم ساكنا جديدا، أتمنى أن يكون ذلك الشخص الذي أنتظره…
أغلقت بابي…من الصعب فعلا التكهن بما يحدث في الشقة 24 …

الجمعة، 20 مايو 2011

الثورة والمثقفون: لا أحد يعلِّم العاصفة


عباس بيضون
 كانت الثورة حلم المثقفين والفنانين والكتّاب، فيما الناس مشغولون عنها بمعاشهم وعائلاتهم وتقاليدهم وموروثاتهم ويقينهم من دوام الأمور على حالها. كان طلاب وأساتذة وخريجون يتآمرون في خلاياهم ويصلون اجتماعاً باجتماع ويتعبون ليجدوا من يصغي إليهم ويصرفون وقتاً معتبراً في القراءة والنقاش هو وقت موقوف على الجماعة ومستقبلها وعلى البلد ومصيره أكثر مما موقوف على أصحابه. الناس في أشغالها قد تولي اهتماماً للمثقف السادر في برجه وقد لا تولي وفي كل الأحوال يبقى المثقف بالنسبة لها فريداً غريباً بضاعته الكلام الذي لا يغني ولا ينفع، وإذا أصغت إليه فعن فضول لا يمنعها من رؤية انه من غير طينتها وبينها بينه واقع صلب مستحكم لا يشترى ولا يباع بالكلام. قد يكون المثقف ابن فلاح، لكنه لم يعد فلاحاً منذ اشتغل بالقلم والورق ومنذ صار يتعيش من القلم والورق. هذه صنعة لا تزرع ولا تفلح ولا تحصد ولا تراعي الطقس والفصول. والسياسة التي يتكلم بها المثقف ويمارسها إنما استخلصها من ورقه وكتبه ولم يستخلصها من مهنة موصوفة او عمل معلوم. والفلاح وإن بقي أباً للمثقف لا يستشير الورق بل يستشير الطقس والأوقات والتربة، وكلها تحتاج الى تعب وعضل أينهما من المثقف الذي ما ان يجد مهنة تناسب علمه حتى يشيح عن عمل والده، الذي زاوله في فتوته، وكأنه يشيح عن أمر مستكره. المثقف يائس من ان يزرع شيئاً في هذه العقول الجامدة والعامة مستغربة لبعد المثقف وبضاعته وصنعته وما بين الاثنين شبه تواطؤ على دوام الحال. المثقف يتكلم في عزلته وقد يجازى على كلامه فيزيده السجن والتعذيب عزلة، وربما ركب رأسه واستمر الى ان يستغرقه العمر وتستغرقه مطالب الحياة، وربما حاد عند اول منعطف وربما أجّر عقله واستثمره بعد ان يأس. أما الفلاح والعامل والصنايعي وصغار الكسبة، ومنهم جانب كبير ممّن كانوا طلاباً ومتعلمين في يوم، فيواصلون حياتهم كما هي وينظرون بارتياب الى من يحضهم على تغييرها، وقد يكون اليأس غلبهم أيضاً، لكنه اليأس احدى الراحتين وفيه سعة وحتم ومنجاة من السؤال والقلق. هكذا كان الأمر عقوداً لم تبرأ من انقلابات ومن فورات ومن حروب ومناوشات أهلية ومن معارك حقيقية ومن كوارث. خلال ذلك كانت العامة تنتفض والمثقفون يركبون الموجة، لكن الثورة مع ذلك لا تقع. الحرب الأهلية، التي اعتبرها لينين مرادفاً للثورة، كانت تنتهي في ذاتها بعد أن تتحوّل الى إجرام مستفحل، والفورات يتآكلها عنفها. وفي كل الأحوال كان هناك من يعجل الى قطافها، ودائماً كانت هناك حفنة من ضباط او حزب معسكر حاضرة للغنيمة، بعدها تعود الناس الى قواعدها وتستريح وترضخ من جديد، فيما تستمر قلة من المثقفين في وعي شقي دونه اثمان باهظة وعزلة متفاقمة وحبل مهزوز بينهم وبين السلطة الشعبوية والعامة الهامدة لا يستقر على حال. عند ذلك تبقى الثورة التي تتسمى بها السلطة هياكل مفرغة وتغدو الثورة أبعد، ان لم تصبح لغزاً او طلسماً. بعد ذلك أتت الثورة من حيث لا يحتسب أحد وأتت على شكل غير مألوف، شكل وبائي. يمكننا ان نتكلم هنا عن العدوى. قلة تبدأ وتواجه بقمع حقيقي لكنها تبقى. تعطي هكذا مثلاً لآخرين فتتضخم الكرة. تهرب السلطة او تتفكك، فتغدو الكرة مليونية يغدو الثقل في الشارع وتتجاذب السلطة المجددة او الجديدة القرار مع الشارع. هذا هو النموذج المصري والتونسي. في غيرهما تتعقد الأمور، تعاند السلطة ويعاند الشارع، فالأمور أصعب حيث تصمد السلطة او تستقوي على تفككها. الأمور تستصعب ما دامت المعادلة هي ذاتها والتوازن لم يتغير، والحل ينتظر طارئاً ما من فوق او تحت. معلمو الثورات إنها الثورة ومعها مثقفوها، لقد جاءت بهم من الاسفل. انهم جدد ولهم خبرة وعقل جيلهم، ان لهم أيضاً قرباً من العامة لم يتوفر لأسلافهم، وغريزة لا تخاف ولا تهرب من امام الموت. انهم قادرون على الهجوم والمجازفة، وثمة ما يشبه الايمان يبقيهم صامدين رغم الخطر، كأن بهم نزعة استشهادية كتلك التي عايناها كثيراً في الأيام الأخيرة. أما قدامى المثقفين، اما قدامى الثوريين فلا شك في أنهم فوجئوا، فوجئوا بأن تقديراتهم وحساباتهم جميعها تحطمت. ما جرى كان يحتاج الى اكثر من التحليل، الى شيء من الغريزة، من الحدس، من القدرة على الشم. بعض هؤلاء انبهر فما حدث يفوق وعيه بل يفوق كل وعي. بعضهم لحظ ما تجرف الموجة من اوحال وهاله ان للمرة الثانية لم يستطع حراكاً. بعضهم خاف من "الثورة" والثورات تخيف وكان من النزاهة أن يصرّح بخوفه لا أن يقعد منها مقعد المعلم ويروح يقترح عليها من أين تنطلق وكيف تسير والى اين تتجه، لكي يمنحها بركته وكأن ذلك طوع إرادته او إرادتها. في لحظة كهذه ثمة حجم من الدم مقابل كل كلمة، ثمة مبدأ يهان مع كل رصاصة ترد على الكلام. ثمة حق يهدر مع كل حياة تسلب وعمر يقصف. لا تحتاج الثورات الى من يعلمها، انها تقريباً رازحة تحت وطأة التعليم والكتب ولا ينتظر ان تنفجر بحسب التعليم والقواعد، انها تطل من حيث تجد فتحة وتسير حيث تجد مجالاً وتتجه حيث تجد ضوءاً. ما يحدث ليس درساً في السلوك الحسن. لا احد يعلم العاصفة. يمكن لأي كان ان يرفض الثورات، فالثورات ليست خيراً كلها. ما يحصل الآن هو انفجارات بعد عقود متصلة من الكبت، ومن حق أي كان ان يفكر بالعواقب والعواقب احيانا مخيفة لكننا نخطئ حين نحملها فقط للمتمردين وحين ننسى ان ثمة ما أخرجهم وان طريق الخروج ليست بإرادتهم وانهم يذهبون حيث يجدون ذلك متاحاً، نخطئ اذا نسينا ان الضغط يولد الانفجار وان مسؤولية الانفجار هي أيضاً على من يضغط، الثورات في أحيان كثيرة شر لا بد منه، ومن يراجع تاريخها قد يجد اخطاء كثيرة. لكن هذا متصل بعواقبها، التي ينبغي انتظار حصولها، وليس الكلام جائزاً والناس تقتل في الشوارع وليس جائزاً والمتمردون لا يملكون إلا حياتهم وليس جائزاً والمتمردون يواجهون بدمائهم، الثورات نعم بعواقبها وعواقبها قد تكون مؤذية ولكن حين تكون لها عاقبة، وحين لا يتم خنقها في الدم والعنف. والثورات بعواقبها، لكن حين تبقى لها عاقبة، ومن حق أي كان ان يحذر من العواقب لكن ليس كمن يعلم الناس كيف يقتلون وكيف يموتون على الطريقة الصحيحة. من حق أي كان أن لا يكون مع الثورة لكن ليقلها بملء فمه ليس بالتظاهر بأن في وسعه أن يفعلها أفضل من أهلها، خاصة وهم يقابلون الخطر بالهتاف. ليس من حق أحد أن يلقنهم هذا الهتاف ويعلمهم كيف يرفعون أصواتهم به، حين لا تكون المسألة بعد سوى مطحنة دموية فإن علينا أن نحترم في الأقل هذا الدم. حين تكون الثورة هي فقط هذا فإن إدانة القاتل وتسميته خير من إدانة القتل عامة. يمكننا أن نصمت وأن لا يكون لدينا رأي فهذا أيضاً من حقوق الناس، لكن المشاركة بالتردّد والالتباس ليست مشاركة، وخير لنا وللجميع أن لا نشارك على هذا النحو.
=========
عن السفير .

الأربعاء، 11 مايو 2011

تشريد المكان عن أسمائه :(سليم بركات ) .

للمكان أسماءٌ ينسجها قاطنوه بحسب ما يهبهم المكانُ من صوره. الأشكال الطبيعية تُعيْن على إطلاق الصفات في مظاهرها معنىً أو لوناً: جبال الأصابع الخمس. الجبل الأقرع. الهضبة الحمراء. القرى، والدَّساكر، والكُوَرَ، تتطابق على اسم قاطنٍ أوَّل، أو صفة قاطنٍ أول، أو مظهر من خصائص الخيال الجامع لأهلها، بغورٍ في تاريخ السلالة، التي تبادلت والمكانَ مواثيقَ الإقامة، والمجاورة. وكان من أمانة العقل للمكان أن يحفظ له كرامةَ سيرورته في الأحوال، فتتحقق للمكان نفسه  "الإقامةُ" في تاريخ الإنسان، غيرمشرَّدٍ عنه، أو مُتهكٍ به. لكن كل هذا افتراض ضروري، في الأرجح، بحثاً عمَّا يتوجب أن يكون عليه تخصيصُ المكان بعصمةٍ أخلاقية.
لقد جرى، ويجري، تغيير الأسماء، باتفاق الجماعات على إنزال قصاص بالمعاني الممنوحة للمكان من جماعات أخرى، بعد تحصيل الغَلبة فكراً، أو مصادمةً. وكذلك يجري التغيير باتفاق الأنظمة طرفاً أوْحَدَ يجيز نقل المعاني من حيِّزها، و "يصححها"، ويقوِّمها، أو يعدمها، كي يستقيم لها تأكيد المذهب بقسر التاريخ على "التواطؤ" مع أزلية المعاني المنسوبة إلى شِعارها، ومع أبدية الصواب في نظرها إلى كلِّ ممكن أو محتمل. هكذا تنقلب أسماء الأعياد الجاهلية إلى أسماء الأعياد الإيمان، وشوارع الجبابرة إلى شوارع أبطال "مناسبين" لفكرة النظام؛ وأسماء القرى الغريبة إلى أسماء أليفة من لغة المُسَيْطِر، مع إصدار المراسم باحتكار أسماء الساحات، والملاعب، والحدائق العامة، والمنتزهات، وتوريث المكان أنصاباً على أنقاض أنصاب، مُعْلَنَةَ النَّسب على شجرة فضائل الحاكم وصفات حُكمه العادل دماً عن دم.
قصور الحاكم السابق تغدو، في عصمة الحاكم اللاحق، إلى "قصور الشعب" الممنوعة عليه. الطريق الموصوفة بخيال الحكايات تغدو طريقاً موصوفة بخيال الحزب، وابتكاراته. تُلغى من التداول أسماء حيوانات بعينها للتشابه بينها وبين أسماء الحاكمين. تُلغى ألفاظ بعينها من التداول على محمل اللمز والهمز. لربما نجت ـ من إعادة أسماء التأريخ، والتأريخ إلى صوابهما ـ بعض الجبال، والأنهار، والمدن الكبرى، كونها وطَّدت للمكان "إقامةً" في حقيقة الانتساب. قاسيون يبقى قاسيون. سيناء يبقى سيناء. أوراس يبقى. دجلة. الفرات. النيل.دمشق. تدمر. الإسكندرية. طرابلس. عدن.إلخ. إنما لا يسهو النظام عن "تدبير" مرادف "قوي" يشهد على حضوره إزاء القديم المفروض "قسراََ بالمعنى على "صناعة" النظام للتاريخ، فيستحدث للجبل الفلاني اسما توأماً: "جبل الشهداء"، وللنهر الفلاني اسما توأماً: "نهر المسيرة الظافرة"، وللمدينة الفلانية اسما صفة: " الفيحاء"، "الشهباء"، "أم النخيل"، "مهبط السلوى". أما المدن المحدثة (مدينة الثورة)، والنهر المُحْدث (الصناعي العظيم) والسدُّ الجبلي، والبحيرة (كلها منذورة للبراكين الثائرة على الجهل، والتبعية، والدونية)، فأسماؤها تستقي من الضرع الأم معنى حصولها عن يد الكيان المقتدر على "إعادة الصواب" إلى الصيرورات. غير أن التاريخ المدوَّن ينزع، بخصائص حفظ النوع فيه، إلى توطيد الأسماء الأولى في حافظته، عمارةً وطبيعةً، بإزاء ما انقلب منها، وما أُقصي، وما أُلغي، وما استبدل، بإشارات واضحة إلى ما كانت عليه وما صارت إليه.
ما من شك في أن تغيير الأسماء، في الأمكنة، انقلاب على خيالها. وفي الأطلس العربي، الناحي بنفسه إلى مماهاةٍ للزمن، في ماضيه السابق على خصائص "قوميته اللاحقة"، وما تحصَّل من نظر الديِّن إلى المعاني السابقة على سيادته، عواصف من هذا، حتى لَيَصير السياقُ الزمني المفعم بانتساب المكان إلى شرعِ حقيقته انقطاعا في بعض فواصله. فما هو من حوزة  العِرْق "الأصل"، الفينيقي، الأشوري، الأكدي، الفرعوني، يتراجع إلى شواهد للدرس والاعتبار، بانفصال ماهية العرِق "اللاحق"، المنتسب إلى مصادره النقيَّة ـ العربية أباً عن جد، كأنما أفرغت السيرورةُ نَفْسَها مرةً لتمتلئ من جديد بحاصل آخر. ومن هذا السفح يجري الإشراف المُعْتَقدي على الأثر بفصل حضوره "المشرق"كجهد للعقل في ترتيب حقائقه، عن قوام معناه الوثني "المعتم" معرفةً ومذاهب. فـ "خير العالم" هو ما ينبني لاحقاً في المقام الطاهر لرسالة الحقِّ المعقودة على "العرق اللاحق"، وما كان خارج هذا الحق المعقود، في "سابق" المكان وزمنه، ينبغي احتواؤه في مراسم بجوهره "المُنْجَز"، الذي لا ضرورة ـ ولا ينبغي أبداً ـ لأن ينتشر كقيمة خارج حدود ما هو ماضٍ يتعارض أخلاقاً، ونُظماً، وقوانين، ومذاهب، وتقاليد اجتماع، مع أركان القُدسيَّة الوطيدة ومساقاتها. وأسماء الأمكنة حاصل من النظر إلى قيم "العرق اللاحق"، التي يجب بسطُها على الأسماء.
قطعاً، ليس في تاريخ أقاليم الأرض شتى مثيل لما تتخذه الأمكنة من ألقابها، ببزوغ قمر الحاكم وفكر حزبه، كالذي في أقاليم النطق بالضاد (تشبهها الرقعة المُسْتَبَدَّة شرقاً). فالمدينة ظلُّ القائد، والساحة شبحه، والشارع أزرار سترته، والدولة ـ برمَّتهاـ قبعته. الأسماء فتات خبز بين يديه يرميها لعصافير الزمن، والمكان الذي يتسمَّى بها يُغذِّي الوقتَ خلوداً. ولأنه عريق، ونقي الأرومة، فليس للمكان أن ينحو ـ في يديه ـ إلى خلط السياقات الزمنية، بل يجب "تطهير" السيرورة، وانتقاء الأصلح من الخصائص "الجديرة" بالمقام الطاهر للعِرق. هكذا تترجم أسماء الأمكنة إلى عربية صِرفة، وتُعاد الصفات إلى حظيرة الفكر القويم للحزبِ ـ ممثلِ الجماعات بعقد الدم.
قبل حين من الوقت كلَّم كرديٌّ كردياً، فساءله من أين أنت؟، فرد: من القحطانية. أي: من بلدة لها نَسَب إلى عربيٍّ قح، جدٍّ عريق. وإذ استفسره عن موقعها أوضح الآخر أن اسمها كان "القبور البِيْض".
في ثلاثة عقود تهشمَ اسم البلدة مرتين: مرة بترجمته إلى "القبور البيض" عن أصله الكردي: "تربسبي"، ومرة عن استبداله كلياً بنسبٍ إلى تاريخٍ "أُعيد إلى صوابه". عشرات الأسماء، المخصوصة بالتدليل على "إقامة" الكردي في المكان، اعتُقِلَتْ، ثم "نُفيت" عبر الترجمة الحرفية، ثم أُعدِمت في منفاها، في بلد عربي من شمال هذه المنظومة. أُبقي على أسماء الحقب الأثرية، وملوكها، ومواطن الرِّمم، لكنها أُعدِمت فيما يدل على قوم حيٍّ بَعْدُ، في أمكنة حيَّةٍ بَعْدُ، صيَّرها الوقتُ في الخرائط خبط عشواء، تتخبَّط بها حدودٌ خبطَ عشواء. وفيما أُجيز النظر إلى أسلاك الأمم العربية في الأرض على أنها "مِزَق" مقصودة في الجغرافيا، صنعها غدر "الآخر"، وسياسة "الآخر"، ومطامع "الآخر"، وبغي "الآخر"، وكيد "الآخر"، لم يُمكَّن التاريخ من الإعوال على لغة قاطنيه، في سَطرٍ من الأرض ضمن النص الكبير، كي يبرهن للمكان حضورهم: هكذا، أبداً، كان المكان في انتظار "العِرْق اللاحق" حتى يستتب له مديح العراقة، ومديح الأصل الذي هم حقيقته الناضجة بلفْحِ وجودهم. المكان، أبداً، بلا شعب "آخر"، كي يمتلئ بالموعودين. أمكنة كردية بلا أكراد من ضرورات الترجمة إلى عربية صِرْفة. "موزان" ستصير "تل العرب"، وهرم رش"، ستصير "صافية"، و"موسيسانا" ستصير "الدجاج الخضراء"، و"هرم شيخو" ستصير "قرية بدر"، و"قولو" ستصير "المرمرية"، "سيركه" ستصير "المحبوسة"......إلخ.
كان ممنوعاً تسجيل كرديٍّ، في السجلات الرسمية، باسم كردي. العروبة تقتضي نقلة في خصائص الدم. وهاهي تقتضي نقلَةً في خصائص التراب. الأمر بسيط لا يستدعي السخط، أو الاستياء، لأن الكلَّ سواسية في رحاب العدل المنتصر، أسماء شخصيةً، وأسماءَ أمكنة: حاضرُ الوقت هو أصل ماضيه، وعلَّة وجوده.
ذاكرةٌ بأكملها تُمحَّى راهناً، على هدي المحو في مراتب "بعض" التاريخ من قبل. سيلتفت الأحفاد إلى أشباح أجدادهم فيرونها في الشطر المُعلَّق من سماء البرزخ، بلا إقامة في مكان. ولأن التأريخ الحاضر يغفل، بقوة اللسان العربي المستتبِّ على بسطته القومية الباذخة، كل ما شأنه التذكير بوجودٍ "آخر" ذي استمرار، وليس كسابقه "المنقطع" في مفصل مَّا من مفاصل اندثار الأمم فأُبقي له نصٌّ في المصنَّفات، فلن يُسْتَبقى سطرٌ لبوغي بريفا على هضبة موزان، التي عُثر في جوفها على كنوز في جرار. ستكون النقلةُ في التعريف أن الرومان، الذين نزحوا إلى فضائهم مغلوبين، تركوا النفائس هدايا في قرية "مهجورة" حتى مجيء أحفاد عمرو وزيد، فلم يسبقهم إلى بَسْط الكُنْه العريق على الهضبة، هناك، أحد قط.
أيُّ ذعر يكمِّم الحقيقة بعَلَم الحزب؟ إنها أسماء كردية لا تخيف أحداً، فلماذا يجرِّدون الأمكنةَ من إقامتها؟.

الجمعة، 6 مايو 2011

صرخة عبداللطيف الحسيني .











إلى الشاعرين :ابراهيم بركات وياسين حسين غائِبين .
صرخةٌ كانتْ كتيمةً منذ أنْ عرَفها آباؤنا قبلَ عشرات السنين العجاف – القاسيات . تلك الصرخةُ لحِقتْ بأعمارنا الطريّة ثم لتصلَ إلى (أربعينيّاتِنا) الصامتة المكتوية بدنيا الخوف والصمت الجبان . ذاك صمتٌ بلعناه على مضضٍ طَوَالَ سنواتنا التي ما عرفتْ مسرباً إلى التصريح به إلا في خلواتنا المعتمة (الأسبوعيّة : إذا كنّا في مرحلة المدّ الثوريّ قبلَ حوالي عشرين عاماً) . كنّا تجرّعنا سمّاً مولّداً منحَنا الخجلَ والطأطأة (حيث رجلٌ أميٌّ وغدّارٌ بملامح صارمةٍ غاضبة ينبُّهُنا أو يردعنا أو يشتمُنا ) . لم تكن سنواتُنا إلا صراخاً أو احتجاجاً خبّأناه لنعلنهُ كلاماً لعيناً فيما بيننا (إنْ كنتُ مع غسان : صديق الطفولة والشباب الضائِعين كمجاز) .
صمتٌ لحِقَنا ليصلَ إلى أحلامنا المنكسرة ,وطالما تمنّيناه حادّاً وصارخاً مثلما الآن – هنا – هذه الأيامَ التي نعيشُها واضحِين مكشوفِين بل مطالبين بما فقدْناه ورافضين أنْ يصلَ الخوفُ أوالصمتُ ليكونَ سيّداً على (آلان وكارا : مثالَين للطفولة غير طفولتنا التي كانتْ طيناً قبيحاً ومُرّاً) .
صمتٌ : (هذا ما قلتُهُ) وسيتحوّلُ إلى احتجاجٍ أكثرَ كشفاً ونبضاً احتجاجيّاً ,لأنّا متعطّشوه وفاقِدوه , ولن نتركَه ليتملّصَ منّا مرّةً أُخرى, هذا ما لمْ أقلْهُ أنا بل صمتُ الإنسان المقهور بداخل كلٍّ منّا قالَهُ قبل أسابيع وسيقولُهُ , ولن نتركَه حتى نطالبَ بسنواتٍ ضياعنِا في الطرقات أوالاختباء خوفاً من أيّ سؤالٍ قد يُحرجُنا !.
صمتٌ آخرُ مازالَ ملتصقاً بغيرنا الذين ينتفعون به , إنهم مجموعةٌ صامتةٌ ارتضتْ لنفسها ثمناً بخساً , وربّما تعلمُ تلك المجموعةُ أنّ سلوكَها لا ينطلي إلا على أمثالها , وبإمكان أيّ محتجٍّ أنْ يحاسبها في العاجل أوالآجل من الأيّام .
جئتُ لأصرخَ وأحتجّ في أيّ شارع أو زقاق أشاءُهُ , وفي أيّ وقت يشاءُني , وعلى أيّ لسان عابثٍ يحملُ سقط الكلام أو تافهه ,أوأيّة يدٍ فوضويّة تلهو وتغدرُ بنا.