مدوّنة الكاتب الكرديّ : عبداللطيف الحسيني .

الثلاثاء، 26 يونيو 2012

المُخضرَم .

 المُخضرَم .
إلى أبناء جيلي الصامت والصائِم .
هكذا أُسمّي كتابَ حياتي حينَ أفتحُه فلا أجدُ فيه إلا هامشاً من الضياع يسلّمني إلى سنوات الضياع , كلُّ ساعةٍ فيها تستفزّني وتسألُني غاباتٍ من الأسئلة , وعليّ أنْ أجيبَها دفعةً واحدة : كيفَ عشتَ , بل لِمَ عشتَ , و لِمَ لم تحتدَّ , ولم تصرخ , و لِمَ خبّأتَ صراخَك في نفسكَ الأمّارة بالكبت ؟.
و هكذا لن تجيبَ مرآةُ حياتي إلا بتحليل جثّة المخضرَم الميّت – الحيّ الذي عاش في موتِه حيّاً , وميّتاً في حياتِه.
المخضرَمُ الذي أكونُهُ وكنتُهُ ضيّعته العقودُ الثلاثةُ وتوّهتْه وانهكته وانتهكت أَجَلّ مرحلةٍ من عمر المخضرَم , حيث فورانُ ماء الشباب الملوّن وحيث الحياةُ عِنبٌ وتفاحٌ وبرتقال , ولم يجد المخضرم إلا لوناً وَسِخَ الشكل والمضمون كاتماً على الروح والنفس , ولم يجد المخضرم إلا عنباً مسموماً يلجمُ فمَه ويكتمُ صرختَه حتّى وإنْ أعلنَها كتيمةً من نافذة غرفةٍ متآكلة تبلعُ فحيحَ الجحيم في خضرمتِه , فكيفَ به وهو المخضرمُ الغِرُّ على الحياة التي ملّتْهُ وسئمتُه مجردَ أنْ أتاها بعقودِه الثلاثة التي تفوحُ منها الكآبةُ, والمأساةُ تسلّمُه إلى المآسي عاصبَ العينين والكفّين والفؤاد ؟.
الآنَ يحقُّ للمخضرم أنْ يسألَ , ودونَ أنْ يجيبَه أحدٌ : أرأيتم حياة مشتعلة بالأنين والشكوى و النسيان تشبه حال المخضرم ؟.
هذا دونَ أنْ أحسبَ سنواتِه الهائمات في عقده الرابع , ودونَ أنْ أذكرَ الطفولةَ التي...........تشبهُ الطفولةَ أو تشبه دمية شنيعة الشكل تُرمَى بها في أقرب شارع تزدحمُ الفوضى فيه و النفايات .
المخضرمُ الذي عاشرَ جيلاً يصغرُه بعقود و يجاريه حبّاً للحياة وبها ولها وفيها , هذا الجيلُ الذي أعيشُ في كنفِه لن يقبل أنْ تكونَ مرآةُ حياتي عاكسة لحياتِه يردّدُها ويمثّلُها ويطبّقُها , ولن أقبل لجيلٍ عمرُه عامٌ أوعامٌ ويزيدُ قليلاً إلا أنْ يمتلك طاقةًَ الأرض وكنوزها و يمتصّها ويحوّلها إلى ما يريدُه منها , لا إلى ما تريدُه هي منه , إنّه الجيلُ الذي يقطعُ مشارقَ الأرض ومغاربها بخطوةٍ .
.....
من فضلكم : هاتوا حياتكم ودوّنوها (نعم دوّنوها) أو اكتبوها أو ارسموها أوغنّوها أو خطّطوها لأتعرّف عليها .


الثلاثاء، 19 يونيو 2012

العَرّاب.


العَرّاب. 
هو العرّابُ أينما ولّيتَ وجهَكَ , أو أينما ولّيتَ بوجوه الأرض جنوباً أو شمالا لتجدَ الوجْهَ العَرّابيّ , إلى درجةٍ أنكَ تكرهُ أديمَ الأرض حيث احتضنَ وغذّى وجهَ العَرّاب الذي كان -فيما سبقَ من عقود - يختفي ساعاتٍ ليظهرَ ساعة , فيعكّر صفوَ الحياة أو ما لذَّ وطابَ من عيشٍ -أو ما سُمّيَ بالعيش جدلاً ليس إلا- .
العَرّاب الذي أعنيه مختلفٌ وكثيرٌ , فهو الغامضُ – الواضح , كانَ غامضاً , فباتَ وامضاً ومكشوفاً .حيث أطلّ عمرٌ جديد , فما على العَرّاب أنْ يتزيّى بطقم عرّابيٍّ ينبهرُ به العرّابون الصغار (وسوف يكبرون ليصبحوا : العرّابين الكبار) , وتنبهر به أشكالُه أو ما ملكتْ أيمانُهم من قيح وصديد أو سخف القول ثانياً و سخف العمل أوّلاً , و من نَكَدِ الدنيا و سخريتها المرّة المريضة أنْ أجدَ العَرّاب يتبوّأَ الصدارة – المكانة – الصفّ الأماميّ كلما اجتمع القومُ وافترش كرسيّاً , أوافترش جلسةً تعيدُني – و تعيدُ بعض المهمّشين من أبناء جيلي الهادر والكسيح بنفس الوقت- إلى خمسينيّات القرن حيث يتحدّث العرّابُ و يسبقه الجهلُ والأميّةُ قبلَ العجرفة أو الأميّة و العجرفة معاً قبل التحدّث من خلال الوجه (لا ماءَ يطهّرُه )واليد (لا تُخفي إلا البذاءات)وبلسانٍ لا حياءَ فيه .
 .....
لن أدلّكم على العَرّاب بعلامته الفاضحة أو الغامضة , فالتعرّف عليه سهلٌ , و الحديثُ معَه أصعب , أنْ تعرفَ العَرّابَ , فما عليك إلا أنْ تسمعَه لدقيقةٍ كي تعرفَ الباطن من حديثه الممجوج قبل ظاهره المجترّ.
فعلاً :يا حسرةً على العباد  .

الخميس، 14 يونيو 2012

كلب.




لمْلمْ كلَّ نباحِكَ من الزّوايا المعتمة التي تُعيدُ صوتَََكَ وتحوّلُه إلى عشيرةٍ من عواءٍ وزئِير.
تجثو متوهِّجاً وتسردُ على نكباتِنا أقماراً خافتةً , وتشرّدُ كلَّ طيرٍ أضلَّ طريقَََه في سمائِنا , مُستعِيراً جناحَه الشحيحَ , تنطقُ بلسان الأحصنة المثقلة وهي تقطعُ الأرضَ بلمحةٍ من بصرٍ كفيف .
إنّه الكلبُ , كلبُ حارتِنا يهجمُ عليّ , فيقولُ صاحبُه : (يحبُّكَ , فيمزحُ مَعَكَ)
يشعلُ حولي نباحاً , فيقولُ صاحبُهُ:(يجرّبُ صوتَه لكَ) .
يعضُّ يدي , فيقولُ صاحبُه :(يتتبّعُ سارقاً ما).
حانَ المساءُ , فتلتمعُ عينُه وتفورُ أنيابُه ويحتّدُ ريشُه ليستقبلَ قفزات الطفولة وخصوبة الشّتائِم , يخبّؤها ليدفعَها إليّ بغفلةٍ حينَ أعودُ إلى البيت فجراً , وكلّي أنينٌ ويرتجلُ من فمي إلهٌ متعَبٌ عجوزوملاكٌ منتهَكٌ و سماءٌ تنخفضُ لتلامسَ يدي .
يا كلبُ ,استرسلْ بالعذوبة والوداع , ودِّعْ مهابتََكَ ,وضعْ جنوبَ الأرض مكانَ الشّمال فلن تجدَ إلا كائِناً مطحوناً يركضُ , ويركضُ نباحُكَ خلفَه .
يا كلبُ , كلب الطّفولة والشّباب والكهولة تسلّقْ مناكبَ الأرض الخَرِبَة وارفعْ عقيرتَكَ  باللهاث , حينَها – يا كلبُ- ستردّدُ سمواتُ الأرض احتفالَكَ بالأنين .
ارمِ شظايا الأرض على جدرانِنا المتعبة وأنتَ تصيحُ فوقََََها كديكٍ هائجٍ , لاعظْمةٌ تُسكتُكَ ولا بذاءَاتُ الصّبية الحُفاة تردعُكَ .
ابسطْ كفّيكَ على بابِ كهفِنا ثم التفتْ لتجدَنا جثثاً عَفِنَةً تُطهّرُالأرضَ ومَنْ عليها , إنّنا ملائِكةٌ وقد فارقتنا أرواحُنا .
إنّها القيامةُ يا كلبُ .
إنّها القيامةُ الآنَ .

الثلاثاء، 12 يونيو 2012

محاولة لتجبير " الاسم الكردي الجريح "

محاولة لتجبير " الاسم الكردي الجريح " - كتاب عبداللطيف الحسيني الذي لم يصدر بعد....بقلم نائلة خطيب - دينوكا



ما أعظم ما كتبته هنا يا عبدو...أتذكر درويش حين كتب شتاء ريتا الطويل وقال فيها:كُلَّما عانَقْتُ بُرَجَ العاجِ فرت من يَدَيّ يَمامتان ....وأنا كلما قرأت حروفك وكلماتك أرى كل دموع الدنيا تفر من عينيّ...أنا الضريرة التي تحاول النظر الى الشمس لت...فتح لها عينها، فتراها ترجمها بكل ما اوتيت من عيون، خذي...هذي عين محمد...وهذي عين عيسى....وهذي عين موسى ....وهذي عين أبي وهذي عين أمي وهذي عيون اخوتي واولادي وأهلي الأحياء منهم والأموات، لكنها لا تهتز، فأركض للتاريخ، أنبش المقابر، اقتلع عيون الأموات والأشباح والخفافيش وأرجمها بها، لا تتحرك، هذا ما كان يقوله درويش يا عبدو؟ حاصر حصارك لا مفر واضرب عدوك لا مفر، سقطت ذراعك فلتقطها وسقطت قبلك فالتقطني وارجم عدوك بي؟ نعم يا محمود، عدونا هذي الحقيقة نحن الذين ولدنا عميانا، أتذكر الآن أحد نصوصي، حيث كتبت: هكذا يأخذ الضرير بيد الضرير، ولكن هل فهمني أحد؟ كانوا لا ينظرون الا لصورتي ويجاملونني، تلك الشقراء، لا بد انها مغرية جدا، جسدها: انظروا، كم عين أكلتني يا محمود؟ ولم تطعمني الا الملح المر، لكنك ما لمتني يا عزيزي لأنني وهبتك من عيني مكان عينك التي رجمت بها الشمس، خذ عيني هذه: " أكاد اصير نصب ملح" كم عين تبقى عندك لتعطيني يا صديقي؟ وما الفائدة؟ كل عيون الدنيا لا تكفي لتبكي " الاسم الجريح" ....عبدو؟ : وكأنني ارى نصوصي كلها عيون الآن، " كل شيء فيّ أحرقني" كل عيون الأنبياء سخرت مني يا عبدو؟ ولا يتقدم الأمام الى الي الوراء، ها هو يسوع مصلوبا على الصليب بين لصّين، ويبكي: الهي لم شبقتناي؟ ما كان عليّ ان اقتله العيون الحقيقية لأرجم فيها الشموس الضريرة التي تحرقني؟ هل كان يسوع كافرا ومجرما حين قسم السمكة واطعم جياع الأرض يا أبي؟ ماذا كان جزاؤه؟ الم يوصيكم محمود بقذف عيونه في وجه العمى؟ قل لي يا أبي؟ كم رجاك وبكاك الماغوط وهو يقول: انا لا أنام يا أبي، أعد اليّ دموعي، وحبيبتي التي سرقتها، لم يعد له شيئا، لم يعطيه سوى شاهدة رخامية باردة كتب عليها اسمه الجريح لتشهد على ما تركه من دموع تسكب فيكؤوس العهرة من يبيعون ويشترون بدموعه انسانيتهم ليقتلعوا عين الحقيقة فلا ترى طغيانهم، كم ضحكت عليهم يا ماغوط؟ وما قرؤوك وما فهموك ولكن شبه لهم، كيف يفهمك من ينظر الى الشمس وكأنها شمس، هل الشمس هي الشمس حقا؟ اليست هي الانسان الذي يحترق منذ قرون ويبحث عن محور يدور حوله؟ ذات مرة ترجمت اغنية ليهودية تدعى ريتا، تقول: أنا اعيش من يوم الى يوم، انثر ايامي للريح، الناس يتزوجون حولي، وانا ايضا اريد ان ارتاح، يقولون ان الشمس فوقنا تدور حول محوها فأين هو محوري؟ لست جميلة الى هذا الحد وعمري ليس ستة عشر لكنني اعرف قليلا عن هذا العالم، فلو اعطاني كلمة واحدة لأعطيته كل شيء، هنا يظهر رجلا في محطه قطار نائية، من طلب مني انتظاره في المساء رحل مع اول فجر، قل لي : الشمس تحترق منذ قرون، كم يستطيع الانسان ان يحترق بعد؟ ولأجل ماذا؟؟؟؟؟؟ لست فائقة الجمال ولست ابنة ستة عشر لكنني اعرف قليلا عن هذا العالم، أنا التي سخرت من نفسها اولا لتضحك نفسها، بهلوانة وحيدة على مسرح نفسي، انا الممثلة وانا الجمهور وانا المسؤول عن الاضاءة والصوت والمؤثرات الصوتية جميعا، انا التي تبث وتصور، أنا الآخرين جميعا، أنا الآخر والآخر أنا ونحن الذين ما انتهينا الا لننتهي؟ تبا لي ها انا استعير منك عينيك يا عبداللطيف، عينك هي قلبك اليس كذلك؟ تذكر حين كتبت لك " أقول العين وأعني قلبي" ؟ وذات نص لك كتبت" أعيرها قلبي لأعلمها كيف تحب " وها أنا أعيرك عيني لتراني وأستعير عينيك لاراك وأسمعك وأجلس على قمة نائية وحدي، لأضحك مني ومنك ومن الجميع ....انا التي اقتلعت عين الآخر ورجمتني بها لأضحكه قليلا وما أضحكني غيرك يوما، الى ان وصلت ذلك المشفى، وصلت اليه بعد اتخذت الكون عينا لأرجم بها الكواكب جميعا، لكنها ضحكت عليّ وقالت نامي يا طفلتي، عودي لأن عبدو ينتظرك، تذكر حين قلت لك تعرفت على رجل عجوز يهودي في المشفى؟ موشيه كلاينمن الشاعر المسكين، يسمونه " جوي تسيديك، اي الصادق الصدوق، وقلت لك انه انت يا عبدو؟ كان صديقي جدا جدا، وقال انت الوحيدة التي ساعدتني لأبكي بعد تحجر اربعين عاما في مشفى الامراض العقلية، كان يعشق والده لدرجة الجنون، لكن والده عانى من مرض اليم فكان عليه ان يطلق عليه رصاصة الرحمة فسبب له ذلك صدمة عصبية حجرت كل العالم الذي حوله، وبقي في المشفى، حين وافق الاطباء على عودتي الى الشمال، قال سانتظرك يا " ناي " لا تنسي ابدا، قولي لهم انا صديقة موشية جوي تسيديك، في القسم العاشر من مشفى ميزراع في عكا، انتظري هناك، لنفجر المشفى من الضحك، ستنفجر الكواكب من الضحك يا عبدو؟ أم ستبقى صامته مل ثباتها ودورانها وسقوطها وظهورها وتحولها الدائم ؟ لماذا اخرجوني من المشفى؟ لماذا يا موشيه؟ وهكذا لم تنفجر من الضحك سوى عيناي حتى غرقت في بركة من الضحك وفجأة رأيت يدا الهيا تناولني مبيدا حشريا وتقول رشي في السماء..على الحشرات التي تيرشرش تيولّع.....نظرت الى السماء لم ارى بوضوح، خيّل لي اني رأيت حشرات كثيرة جدا مختلفة الاحجام والأشكال تطير بشكل فوضوي، خيّل لي انها تيرشرش تيولع... بدأت بالرش، اختفت الحشرات لكن بركة الضحكات تحولت الى اسماك ميتة، فجأة أحسست باشمئزاز كبير ورأيتني أتقيأ ثلاث سمكات كبار ميتة، نظرت الى اليمين، اسماك ميتة، نظرت الى اليسار وجدت بلادا مرصوصة بالأسماك الميتة، فتذكرت نصك عن المرايا يا عبّودي، فرايت وراء الاسماك الميتة التي تملأ الطريق الى غابة صنوبر خضراء كأنها بدأت تموت أيضا، غريب أمري يا عبدو صح؟ انها المكسيك يا عبدو؟ لقد وصلت، كم أنت بعيدة أيتها المكسيك، تخيّل لم أشعر بأن عيناي محمرتان وأن الدم يسيل من عيني اليسرى وان نظري كان مشوشا الا حين نبهتني أمي؟ رأيتني أنظر الى المرآة، كيف لا أحس بالألم وكل هذا الحمار في عينيّ؟ وهذا الدم؟ قالت امي: اذهبي الى الطبيب فورا قبل ان يشاهد والدك ذلك ويضربك، كان والدي يضربني حين أمرض أو ابكي، يلعنني ويقول انني السبب، انني اتناول المثلجات سرا، وأبكي دون سبب لأتعبه فقط، لم يصدقني يوما، أراد ان اضحك حتى وهو يضربني، مع انني لم أكن اجد مصروفا لشراء اي مثلجات كي اضحك، كان يريدني ان اكون رجلا وهكذا ربّاني تربية الأولاد، حتى صدقت فعلا انني ولد ولست بنت وانني ولدت كبيرة ولم اولد كبقية الاطفال، كان عليّ ان امشي مثلهم، انظروا هذه ابنته، انها لا تشبه والدها بل جدها، هذه الضابط ابو السبع نجوم، التي لا تضحك بوجه أحد، كان عليّ ان اكون الضابط، الذي لا يخاف من المطر والرعد، وكم امطرت فوقي السماء وكم بللني الرصاص وبيقيت الضابط، لا اخلع نجومي حتى في الحالم خوفا من ابي حتى رأيته في الحلم يقترب مني غاضبا، يود لو يقتلع عيني، كيف تمرضين ايتها الملعونه؟ كيف تبكين سرا وعلانية؟ سترين الآن، لكنني ولأول مرة في حياتي أقول لأبي: لا ....لا بعينك، لتقتلع تلك اللا عينيك فربما ابصرتا شيئا في هذا العالم الضرير....لن اذهب للطبيب يا ابي، أنا التي تقرر اذا كانت عيناي تؤلمني ام لا، اني اراها حمراء وتنزف دما، لكنني لا أشعر بأي ألم الا حين أنظر في المرآة، لذلك تعيش المرآة بين المرآة والعالم يا عبدو؟ يعيش الانسان بين النار والنور، بين الحب والحرب كأنه حسيس .....الم يقل ذلك درويش ايضا؟ الحب كالحرب لا ينام ولا يزول؟ شيء من هذا القبيل؟ أنا أنسى كثيرا يا عبدو ....

الاثنين، 4 يونيو 2012

أيتها الصّداقةً ... وداعاً .


 
هي ذاتُها التي رحّبتْ بنا وألقتْ أمامَنا ووراءَنا خبزاً وماءً و كتاباً قابلاً لشتّى وجوه التأويل والاجتهاد , الصّداقةُ حمّالةُ الأوجه تعاملاً نظريّاً في المحصّلة الأخيرة و تطبيقاً لها في المقام الأوّل.
من بين كلّ الصّداقات التي عرفَها عمري الذي يجاري منتصف الأربعينيات صداقةُ الكِتاب التي عانقتني وألقتْ عاصفتَها في سريري , هي نفسُها الآن تُلقي بي بعيداً و تصفعُني وتريدُ أنْ تصمتَ الصائِتَ فيّ , هكذا تقول لي حركاتُ وسكناتُ وجوه تلك الصّداقات التي كانتْ من القريب أقربَ,وباتت الآنَ من البعيد أبعدَ . وكأنّ المصافحةَ اليوميّة كانت مع الهواء المسموم . وكأنّ ترويضَ الغطرسة كانَ مختفياً في خطوط الصّوت وهو يحدّثني , وآنَ أوانُ تفجير رأيٍ لا يناسبني ويطلبُ منّي لبسَه والإقامة فيه , ووجدتُ ما لايراه النائمُ أنّ أقصى اليسار باتَ يتدّرعُ بأقصى اليمين , وليس لهذه الحالة إلا تفسير أوحد هو أنّ الفكر الذي تسلّقه صاحبُ الصّداقة العابرة كان يلامسُ صوتَ التثوير ويدور حولَه دونَ أنْ يدخلَ كيانَه ويفجّره من الداخل .
أعني أنّ السطحَ همُّه لا الجوهر .
كانت حقيقةُ الصداقة تقولُ أريدُ خبزاً وماءً و كتاباً فقط لأردَّ عن كيد الحياة كلّ مكيدةٍ تُحَاكُ ضدَّها في الخفاء , وأيَّ استهتار يسبكُه كلُّ لئيم جاء إلى فَوَرَان الحياة طارئاً ومستعجلاً ومختصِراً ألفَ ميل بخطوةَ واحدة, وليحتّلَ القدحَ المعلّى و "الصدر الأعظم" مستخدِماً كلَّ أياديه وأرجله وأفواهه ,وليقولَ لنا كلَّ سخافاته دفعةً واحدةً, في جلسة واحدة , في مكان واحد .
لا تأويل إلا تأويلٌ يقولُ : إنّ ثقافة العنف وانتهازيّة الفعل قبلَ القول كانتْ تتربّى و تنمو طَوَال عقود , ويظنُّ الانتهازيُّ العنيف بأنّه سيجدُ بيننا أفضلَ مكانٍ و أجملَ قولٍ و أرقى و أرقَّ حديثٍ في استقباله .
لن أكونَ هناكَ حيث يقيمُ الانتهازيّ أوالسارقُ أوالمنتفع أوالمستفيد .
.....
ثمّةَ ماءٌ عندي وخبزمنقّعٌ وكتاب , ولن أُبدّلَ مكاني بالكون كلّه , ولو منعني الكونُ كلُّه .

السبت، 28 أبريل 2012

مرآة .



ليست المرآةُ وحدَها تردّدُ ملامحَ المرءِ وصوتَه وكآبةَ داخلهِ وثورةَ ذاتِه الهائِجة , المرآةُ لا تردّدُ ما يقولُهُ المرءُ لنفسِه بالنجوى أو بأصواتِه التي لا تسمعُها إلا مرآةُ ذاتِه الكثيفة – الشفّافة .
ما سيحصلُ للمرءِ إنْ وجدَ لوجهِهِ في مرآةِ بيتِه وجوهاً : وجهُ الصّبا يسلّمُه للشباب , ووجهُ الشباب يسلّمُه للكهولة ؟ ما سيحصلُ للمرءِ إنْ وجدَ ذاتَه كهلاً دونَ المرور بوجوهِ الصبا والكهولة ؟
مرآةٌ واحدةٌ – كما حياة واحدة -لا تكفي ليعيشَ المرءُ حياتَه أو ليعرفَ ويتعرّفَ على ذاتِه المغرقة غموضاً وفوضى , باتَ الإنسانُ لا يعرفُ نفسَه لأنّه اكتفى بأقرب صديق أو مرآةٍ على الحائِط مقعّرةٍ لا تمنحُ إلا ثباتاً لرأيٍ واحدٍ , و يبقى ذاك الرأيُ مفهوماً لا يعدّاه .
استطراداً لرأيٍ يُناقش يوميّاً : هات فكراً تتفاعلُ معه مرآةُ الواقع لأضعَ أمامَكَ صحّة ذاك الفكر ومرونتَه وحيويّتَه , بالأدقّ "تطبيقه" (هكذا علّمني ماركس).
هل جرّيتَ مرّةً واحدةً وناديتَ في مرآتكَ أو في مرآةٍ غريبةٍ عنك ؟, ؟وهل سمعتَ و لمستَ ذاتَكَ تضجُّ في مرآة الآخر الذي يجاريك ؟
كأنّ مرآة ذات الآخر تمسخُ امرأً إنْ ردّدها فوقَ صفيحة وجهه إنْ دنا منها , أو ستقصفُه لو تحدّثَ منها إلى ذاتِه بغرورٍ يتصنّعُه , أو هو أهلٌ  له وجار  .
ماذا لو كشفت المرآةُ حقيقةََ المرءِ المتخفّيةَ ووضعتْ كلَّ مثالبه بينَ يديه وخلفَه وأمامَه , و ظنَّ أنّ الباطلَ لا يأتيه من كلّ نواحي الأرض ؟
ما أكثرَ تلك المرايا التي تُخفي الأقنعةََ وتعطي كشوفات الذات صوتاً و صورةً و صدى ! , خصوصاً تلكَ الكشوفات التي وضعتْ قناعاً تلو أقنعةٍ تسلّقتْ أصحابَها أو أنّ أصحابَها تسلّقوها بغفلةٍ من زمنٍ غدّار بعدَما فاتَهم قلقُ الشارع , أقصدُ حينما كانَ الشارعُ خلّاقاً وصاحبُ الأقنعة متفرّجاً .كأنّي وجدتُ امرأً أمامَ مرآة ذاتِه المكشوفة وقد كوّمَ أمامَه جمعاً من الأقنعة يركّبُ على وجهِه - ترغيباً أو ترهيباً – قناعاً يستفيدُ منه اليومَ , و يخلعُه غداً , ليلبسَ ما يناسبُهُ ليوم غدِه .
السؤالُ الذي لا جوابَ له عندي: أَخُلِقَ الإنسانُ ليقضي جلّ يومِه مفكّراً بأيِّ قناعٍ يليقُ به ويتلقّى مديحاً مجّانيّاً لِمَنْ صادفَه خلسةً؟ . وقد قِيلَ عن ذاك الإنسان بأنّه أشرفُ الكائنات .
يا إلهي , عذابٌ إنْ كانَ الواقعُ ما أقولُه , و هو لكذلك .

الثلاثاء، 24 أبريل 2012

الفنانة سلمى عبدي \\ عبداللطيف الحسيني .


الفنانة سلمى عبدي \\  عبداللطيف الحسيني .

(اشتقتُ لقراءة لوحات سلمى , تلك اللوحات التي عرفتها بيوتنا الطينيّة الخربة , لن أنسى (جنون )سلمى و هي تسلّمُ عينها للحيطان الترابيّة كي تكتشف لوحة مطرّزة على حائط ترابيّ مطرز بالنقش الملوّن.,)
كَمَنْ يَرَى النائِمُ : وَجَدْتُ معرضاً مُقاماً لسلمى في الهواءِ الطّلق , وهي التي تضيقُ بفضاء يكتمُ نفسَها الفنّيّ , فكيفَ بغرفةٍ إسمنتيّة تُقلّصُ هواءً تتنفّسُهُ سلمى ؟ .
لا تقولوا لسلمى بعدَ أنْ تتركوها في غرفةٍ : (هيّا ارسمي) .
سلمى التي تحوّلُ الرماديّ ذا الصّفةِ المَوَاتِ إلى مجموعةِ ألوانٍ تعانقُ تخومَ الفضاء ألواناً تستجدي العيونُ بها . مرّةً أو مرّاتٍ قبلَ أعوامٍ عجافٍ فرشتْ سلمى أمامي لوحاتِها التي جمعتْها ميدانيّاً , كانت اللوحاتُ مختارة من تلك التي (لملمتْها) من بيوتٍ قديمةٍ في عامودا أو من القرى المجاورة لها . كانت اللوحاتُ تصرخُ بتراثيّتها : حيث رجلٌ يقتلُ ثعباناً . أو امرأة نصفُها سمكة و النصفُ الآخر يفيضُ أنوثة – جمالاً .
كانتْ سلمى تحلُّ ضيفة غالية على بيوت قديمة لتراقبَ جدرانها , عينُ سلمى تتخطّى البصرَ لتصلَ إلى البصيرة .تحجُّ إلى تلك البيوت الترابيّة حيث الرسوماتُ المطرّزة .
لا أدري أين اختفتْ تلك اللوحاتُ التي جمعتها سلمى ؟.
هل هي في حصون سلمى الحصينة ؟ .
أدري : عندَ سلمى من اللوحات المطرّزة ما ليس عندَ أحد .

تحيّةٌ لها .

السبت، 3 مارس 2012

قراءة العتمة .

ظنّ الكثيرُ منّا أنّ العتمة التي عانى منها المرءُ طوالَ عقودٍ قد زالتْ بعدَ أنْ تراكمتْ واستفحلتْ و تأزّمتْ نتيجة أنْ لا تأويلَ إلا تأويلٌ أحاديُّ الفعل قبل القول , فطبيعيٌّ - تالياً- أنّ التخلّصَ منه سيكون سهلاً لأنّ ثمّة  أخلاقيّات محمودة خلقها الواقعُ المرُّ , هكذا ظنّ الظانّون أنّ العتمة التي تقول جبروتها الآن تختلفُ وسائلُها و تتفاقم , فهي ليست الغشاوة التي يمكنُ إزالتُها بسهولة بل هي العتمةُ وقد غطّتْ العيون , بالأدق سجنتها بحيث لم تعد تسمع , وإنْ سمعت فعلى الأقل بتتفيهه وتحقيره , و على الأكثر بتمييعه (وقد كثرت الصفة هذه) و تقليل شأنه , وكأننا نعيشُ قبل عقود وكأنّ سنة كاملة لم تمرّ من عمر تسونامينا ولم نحمل نارها بأيدينا المرتجفة , وكأننا لم نحترق بها .
مَنْ غاب عنه أذكّرُه بأنّ تغيير مسارنا يأتي لوأد ما بدأناه ساعةً فشهراً حتى أكملنا سنة وُلِدَ خلالها جيلٌ تعلّمَ النقدَ وجاء ليمارسَه علناً لا اغتياباً , ولن يستطيع أيُّ أحدٍ إنكاره ولو مبطّناً مهما وضعَ أمام عينيه عتمات تعنيه وحدَه دونَ سواه , ذاك الذي أقصدُه يبتكرُ بخبثه الفاضح طرقاً ملتوية ليضعنا أمامَ أمرٍ يظنُّه واقعاً لنفكّر – مجدّداً - طبقيّاً .
ليسَ سرّاً مباحاً القولُ بأنني وكثيرون من أصدقائي ذو فكر يساريّ , حين كان ذاك اليسارُ محظوراً , كدنا – كدتُ أنْ أنسى بأنّ المدينة مدينتان , حيث المدينةُ التي تهمّني ازدادتْ فقراً وقحطاً وأكثرَ عتمة من ذي قبل , ولستُ مبالغاً إنْ قلتُ إنّ المدينة التي تهمّني أصبحتْ كائناتُها لا تسمعُ ولا تَرى (ولا تُرَى) ولا تنبض , دليلاً عليه , أمّا كان يُقالُ : إنّ السمع والبصروالفؤاد كان عنه مسؤولا ؟, إذن فليتحمّل المعنيُّ بالأمر المسؤوليّة مزدوجةً , و لو أني أعلمُ أنّه تهرّبَ منها حين كانتْ مفردةً , فكيف به سيواجهها وهي مزدوجةً ؟
سؤالٌ برسم الإجابة عليه من قِبل مَنْ نمّرَ وقوّى جهةً معلومةً , و مِنْ ثّمَّ استقوى بتلك الجهة على إنساننا الأكثر فقراً و تهميشاً و سحقاً .
يا حسرةً على العباد .
يا حسرة على العباد .
alhusseini66@gmail.com

الأربعاء، 29 فبراير 2012

وجهٌ خفيٌّ .

وجهٌ خفيٌّ .
إلى لطيفة لبصير .
عبداللطيف الحسيني .
موحِشاً أسألُه عن بَصَري ال م ن ف رط ليجمعَه.
موشوماً يجيبُني الوجهُ الخفيُّ , مكلّلاً بماءِ الحياةِ يناديني.
كأني تقرّيتُ ملامحَه , هنا وضعتُ صوتي المكتومَ ليحدّثَني من خلال ذاكَ الوجهِ الخفيّ , فيه أبصرْتُ صوتي ملثّماً نبرتَه , وجهٌ خفيٌّ بخفّةٍ لمّني كطائرٍ يلتحفُ عشَّه , كأنّه وجهُ نهرٍ يسحبُ الظلالَ المتخفية إليه , وجهٌ ي رم ي ملامحي على مرآةٍ تمتصُّ عاصفة صيحتي . وجهٌ ردّدَ ملامحي المتآكلة على صفحتِه .
أريدُه وجهاً , فيأتيني غناءً م ن ف ل تاً يلمع .
ليسَ وجهاً ما أعنيه , هو الصّوتُ فشُبِّهَ لي ,إنّه البخورُ يطوّقني برائحتِهِ في طريق م ن قّ طٍ .
وجهٌ يبيحُني بينَ يديه – في كتمانِه .
كيف أركّضُه في عتمتي كالبرق ؟
كيف استطاعَ أنْ يحيكَني ق ط رةً .. ق ط رة .
كيف خبّأني بجانبِ جدول واخ ت ف ى ؟
كيف استمعَ إلى كلّ هذا النشيج ولم يلتفتْ ؟
وجهٌ خفيٌّ – كيفَ رقّقَ كلامي و دبّ فيه رقصاً ومرّرَهُ بي دونَ أنْ أنتبه ؟ .

السبت، 18 فبراير 2012

الاسمُ الكرديّ الجريح .

عبداللطيف الحسيني .
قلتُه اسماً وأعني بهِ مجموعاً , أقولُه الآنَ – اليومَ وأقصدُ بهِ عقوداً , لذا جاءَ الجريحُ صادماً , و لن أضيفَ إليه ملحاً بل أبعدَ من القسوة ذاتِها : ملحاً مسموماً , أقولُ أنا وأقصد غيري , ليحسَّ الآخرُ غيرُ الكرديّ بأنّ الاسمَ الكرديّ صُبَّ عليه الغبنُ مزدوجاً حينَ أرادَ المشاركةَ في كلِّ ما يطوفُ حولَه أو المشاركةَ في جلّ ما يناديه الواجبُ في عموم بلدِه من أقصى شمال الشرق حيثُ البشرةُ الترابيّة منتهياً بجنوب الغرب حيث البشرةُ السوداء , لم تبقَ مشاركةُ الاسم الكرديّ مفهوماً بل كانتْ تفاعليّة – متماهية لمسَها البعضُ وعرفَها ممّنْ تحسّسَ آلامَ الاسم الكرديّ في ترحاله قبلَ حلّه , خصوصاً في النقاط التي يتمُّ التعارفُ فيما بينَ كلّ الأطياف السوريّة التي تُظهرُ ثراءً في الفكر والثقافة .أدقّ النقاط التي تُقرّبُ كلَّ الأطياف إليها : الطلبةُ حين يجمعُها حوارُ الذات أو سؤال الهويّة , حينها يلفّ الاسمُ الكرديّ أسماءَه المتعدّدة أو آلامَه و جروحَه المتعدّدة التي لا تنتهي , ما منعَ الاسم الكرديّ أنْ يلتفَّ ببعضه أو يلتفتَ إلى رنين صوتِه وإشعاله من الداخل , ما منعَه وفتّته هو نفسُه ما مَنَعَ وفتّتَ غيرَه .
يحسُّ الاسمُ الكرديُّ أنّ عليه تعباً مزدوجاً – كما كان عليه الغبنُ مزدوجاً – عليه أنْ يُعيدَ إلى اسمه خصوصيّتَه المتعدّدة , فهو الكثيرُ ضمنَ هذه الخصوصيّة التي قد لا ينافسُها فيها غيرُه أحياناً , وأحياناً أنّه في تلك الخصوصيّة هُدِرَ وقُهِر . غيرَ أنّه كانَ الثمنَ الباهظ طوال حياته : حين غُيِّرَ اسمُه واسمُ مكانه , وسيكونُ الثمنُ فوّهةَ جحيمٍ حينَ رأى نفسَه فجأةً : "غريبَ الوجهِ واليدِ واللسان ِ" وهو في عقر داره .
و كأنّ عليه جمعَ نفسِهِ ورصّها قبلَ أنْ يدلَّه غيرُه إليه ,وامضاً بعدّما كانَ غامضاً , و قبلَ أنْ يبقى عقوداً أخرى اسماً ج – ر – ي – اً .

الأربعاء، 25 يناير 2012

البِنَـاءُ الفـارِغُ

صلاح بو سريف  

 
" بَيْتُكَ هُوَ قَبْرُكَ، بَيْتُكَ هُوَ حَشْرُكَ "
[النِّفَّرِيُّ]
[1]
العبارة لهايدغر. حين أَسْتَعْمِلُها هُنا، فأنا أذهبُ إليها، في سياق حديثي عن معنى " البناء" في الشِّعر.
أصبحنا اليومَ، في كثير مِمَّا نقرأ من نصوص شعرية خُصُوصاً ما يُنْشَرُ بدعوى التَّجريب، أو الكتابة، في أُفُقٍ مٌغايِرٍ، أو ما سَيُسَمِّيهِ البعض، بـ " ما بعد الحداثـة "، أو " قصيدة النثـر "، تحديداً، أمام نوع من " البنـاء "، هو ما نُسَمِّيه، وفقاً للعبارة السابقة، بـ " البناء الفارغ ".
أقصد بهذا المعنى؛ تلك الكتابة التي تخضع لِدَفْقِ الكلامِ، أي لِمَا يَنْسَابُ من كلمات، بعضُها يَجُرُّ بعضاً، ولا يُفْضِي إليه بالضَّرُورَة. فالكلامُ، هنا، يصير هو مدار النص، وهو ما يحكم " شعريتَه "، أو هو النَّصُّ، أو " البناء ".
ليس ثمَّة في النص إلاَّ هذا الكلام الذي يَسْتَدْعِي بَعْضَه؛ يترادفُ، أو يتجاوَرُ، دون أن يكونَ محكُوماً برؤية تَخُوضُ " البناء "، كأرضٍ، لِمَا هي بصدد بنائه. فالكلامُ هو شرط النص، لا البناء.
[2]
لستُ مَدْعُواً هنا، لأستحضر مفهوم البناء، كما حَدَّدَتْهُ الشعرية العربية القديمة، لعلَّ ابن رشيق كان كافياً لِيُزَوِّدَ ابن خلدون وغيره، بما آلَ إليه هذا المفهوم عنده، بناءً على ما جاءه من غيره، ومن مُقتَرَحات " القصيدة "، التي حرصت على بنائها، وأنْجَزَتْهُ نَصِّياً، أي ممارَسَةً.
الذي يَشْغَلُني هنا، هو ما تُواجِهُنِي به تلك النصوص التي أقرأها لشعراء من المغرب، كما من غيره؛ من جغرافيات عربية أخرى، من استعمالٍ للكلام، دون تَفْكِيرِ البِنَاءِ، أو وَعْيِهِ. وهذا ما سَيُفْضِي بي، وأنا أتحدَّثُ عن معنى البناء، إلى الحديث عن مفهوم آخر، مُوَازٍ، أو مُحَايِثٍٍ، بالضرورة، هو مفهوم التجريب.
[3]
التَّجريب، كما سَيُذَكِّرُنِي بذلك، الصديق القاصّ أحمد بوزفور في حوار له، هـو ما يأتـي بعد الكتابة، وليس قبلها. وهـو في ما أتصـوَّرُ، يقصد، أنَّ التجريب، هو ما يأتي بعد مُمَارَسَةٍ، تقتضي خوْض طُرُق الكتابة ومَطَبَّاتِها، أي مُزَاوَلَة المعرفة كشرطٍ، لا يُمكن للكتابة أن تَحْدُثَ دُونَه.
ليس مُمْكِناً خَوْض التَّجريب دون مَعْرِفَةٍ، أوَّلاً؛ بما تقتضيه الكتابـة كمِحَكٍّ، ومُوَاجَهَةٍ، في خِضَمِّها يَحْدُثُ التَّعَلُّمُ، وتَحْدُثُ التَّجْرِبَةُ التي تكونُ أوَّل مُنْعَرَجَات طريق التَّجريب. ألم يذهب هايدغر إلى أنَّ " كل طريق مسكون بآخَرِهِ "، أو هو، ما يُفْضِي احْتِمَالاً إلى غيره…
تجربة الشَّاعر هي إنصاتٌ، تَأمُّلٌ وقِرَاءةٌ. وهي اختبار للكتابة، ليس بالاكتفاء بما هو مُتاحٌ، بل بالبحث في كل ما يُمكنه أن يُساعِدَ على معرفة مُخْتلِف البرامج، أو المُقترَحات الشعرية، بِغَضِّ النظر عن زمان، أو مكان هذه البرامج، أو المقترحات. ما يهمّ، هو هذا الانشراح الذي يُتِيحُ للشاعر أن يَسْتَلْهِمَ أُفُقاً لِكِتَابَةٍ، رُبَّما يكونُ بدايةَ طريقٍ نحو تجريبٍ له ما يُبَرِّرُهُ.
في مثل هذا الوضع، اللغة تستحيل إلى معطىً، ضمن معطيات أخرى، كُلُّها تتدخَّلُ في " بناء " النص، وفي إنجاز خُصُوصياته، قياساً بما هو مُتَدَاوَلٌ.
إنَّ تَفْكِيرَ البِنَاء، يُعتَبَرُ شَرْطاً أساسياً من شُروط الكتابة، ليس ثمَّة ما يَحْدُثُ بالصُّدْفَة، بل ثمة ما يمكن أن يَحْدُثَ، في سياق هذا التفكير ذاته، وهو نوع من الصُّدَفِ المحكومة بشروط إنجازها وَوَعْيِها.
[4]
ما يُثِيرُ، في ما نقرأه من نصوص، تَنْتَسِبُ تَسْمِيَةً، إلى " قصيدة النثر "، هو هذا الاحتكامُ اليتيمُ للكلام. فأُنسي الحاج، مثلاً، حين كان يخُوضُ هذا النوع من الكتابـة، كان على وَعْيٍ بطبيعة ما هو مُقْدِمٌ عليه. فمقدمة ديوان " لن "، وما كتبه فيما بعد من إشارات، هنا وهناك، كلها كانت تَشِي بوعيٍ نظريٍّ، أو بتفكيرٍ في البناء، بغضِّ النظر عن مصدر هذا الوعي أو التفكير.
لم يكن أنسي الحاج يخـوض الكتابـة، كـ " لُغَـةٍ "، أو كمحاكـاة لِصُـوَرٍ و تركيباتٍ، هي ذاتُها التي تتكرَّر في تجارب غيره ممن جاؤوا قَبْلَهُ، أعني في تجربة الشعر الفرنسيّ الحديث تحديداً.
فهو كان مَحْكُوماً بتجربته هو، و بِوَعْيِ البناء الذي يخرج، في رؤيته كامِلَةً، عن شُرُوطِ بِنَاءٍ، كانت القصيدة قد أرْسَتْهُ، أو أنْهَتْ صُرُوحَ بنائه، و أسَّسَتْ له نظرياً، كما يذهبُ ابن طباطبا في " عيار الشِّعر ".
النصوص التي تَفِدُ علينا اليوم، ليست فاسِدَةً، بالمعنى الذي يضعها خارج الشِّعر. فهي، في بعض نماذجها، تَحْمِلُ في تُرْبَتِها بُذُورَ كتابةٍ لا يُمكن تجاهُلُها. لكن المشكلة توجد في كون هذه " التَّجارب "، لم تَعِ بَعْدُ شُروط بنائها، فهي كتابة بـ " بناء " فارغٍ. أو كما في عبارةٍ لابن رشيق، رغم أنَّه يذهبُ فيها إلى " المعنى " في " البيت "، فلا خير في بناء لا ساكِنَ فيه.
[5]
لا أدْعُو هنا، إلـى الامتلاء، الذي كُنتُ انْتَقَدْتُـهُ، واعْتَبَرْتُـه أحد مكـوّنات " القصيدة ". فالبناء الذي أنا بصدد الحديث عنه، هو وُجُود برنامج يحكُم بناء النص، ويُمَيِّزُهُ، باعتباره مُقْتَرَحاً شعرياً، له وعيُه النظري، وله طُرُقُه التي بها يَبْتَنِي أفق تجربته.
فابن طباطبا العلوي، مثلاً، هو أحد الذين امْتَلَكُوا وَعْـيَ البناءِ، لأنَّه كان فـي " عيار الشِّعر "، رغم سَعْيِهِ لِحَصْرِ أُسُسِ هذا البناء، يذهب إلى هذا المفهوم، انطلاقاً من الكُلِّ، أي من القصيدة، أو ما يُمكن اعتباره النَّسيجَ الكُلِّيَّ للنص.
وَعْيُ البناءِ عنده، كان شرطاً شعرياً، لا يُمْكِنُ للقصيدة أن تَحْدُثَ، أو تَكُونَ، إلاَّ بوجود " بناءٍ يُسْتَأْنَفُ مِنْهُ "، أو بوجـودِ بناءٍ " باقٍ لا يُسْـرِعُ إليه البِلَى " أو " يُخْشَى عليه التَّقَوُّضُ ".
البناءُ، وفق هذا المنظور، هو برنامج نَصِّيٌّ، و هو ما يجعلُ " القصيدة "، تكون ذات أُسُسٍ، و شعريتُها، تكون محكومة بهذه الأسس ذاتها، التي عملت الشعرية العـربية القديمة على اختـزالها في " القصيدة " كبناء ممتلئ، تَـامٍّ ومُنَتَهٍ.
[6]
في الوعي الشَّعري الحداثـي، وفي ممارسة الكتابـة المُنْتَسِبَةِ لهذا الوعي، ما يجعلُ مفهوم البناء مُرَكَّباً، أو مُتَشَعِّباً.
إذا كانت " حداثة القصيدة "، أو ما سُمِّيَ بـ " الشِّعر الحـرّ "، بَقِيَت مُخْلِصَةً لـ " القصيدة "، في أهمِّ مُكَوِّناتِها، بما فيها البيت الشعري ذاته، ولم تستطع أن تُحْدِثَ القلبَ المعرفيَ الكاملَ، مع الشِّعرية القديمة، فهي كانت، في أقلِّ تقدير، تسعى لِـ " مُسَاوَمَةِ " البناء القديم، لا تتجاوزُهُ، أو تقطع معه، لأنَّها، سواء لدى السيـاب، أو نـزار قبانـي أو أدونيس، أو صلاح عبد الصبور، أو أحمد المجاطي، أو الخمار الكنوني.. بَقِيَتْ مُفْعَمَةً بِوَتَرِ هذا البناء، و لم تستطع إحداث تلك النَّقْلَة الأساسية، التي سيصيرُ النصُّ معها مُتَشَعِّبَ البناء. مفهوم البيت ذاتُه، سيصير لاغِياً، لأنَّ الشعـرية المعاصرةَ، وخصوصاً، في ما سَمَّيْتُهُ بـ " حداثـة الكتابـة "، شَقَّت أخاديد جديـدة، وناهزت طُـرُقاً، لا عهدَ لـ " القصيدة " بها. نَصٌّ " لا يَنْفَكُّ يتَكَوَّنُ ويَتَشكَّلُ، أو يَتوسَّعُ و يزدادُ تعقيداً ".
ليس من " الرَّصانَة " في شيء، الحديث عن مَفْهُومٍ للبيت الشِّعريّ، وعن وقفاتٍ تَحْدُثُ في ارتباطٍ بهذا " البناء " ذاته! فالشعريةُ المعاصرة، في حداثة الكتابة، وَضَعَت القصيدة في سياقها الشَّفاهي، كما وضعت حداثة القصيدة، ذاتها، فـي سياق هذا البناء المُتَحَدِّرِ من وَعْـيٍ معرفيٍّ، هو غير ما آلَتْ إليه الكتابة اليوم، التي كانت القلبَ الجذريَّ لِأَوْضَاعِ الشعرية المعاصرة، وحَوَّلت النص من مُجَرَّد أصوات، أو دَالٍّ أكبر! إلى دوالّ تتفاعل بنوع من التجاوُب الذي لم تعد فيه الفراغات، أو البياضات تكفي لتحديد مكان البيت؛ مَوْقِعَه في النص، وهو ما يجعل من مفهوم القصيدة ذاته يتعرَّض للعَصْفِ، بل صار النص انْشِرَاحاً، البياضات والفراغات، هي دَوَالٌّ تُضاعِفُ من تَقَبُّلات النص، من قراءاته، كما تُضاعف شِعْرِيَتَهُ، وتخرجُ بها من البناء المُتَوَحِّدِ، إلى البناء المُتَعَدِّد، أي ما يجعل البناء يَسِيرُ وفق طبيعة التَّجربة، ووفق ما تُمْلِيهِ لحظة الكتابة، بكُلِّ مُمْكِناتِ انْشِرَاحِها.
[7]
الكتابةُ الخَطِّيَةُ لم تَعُد عُنصرَ تمييز بين " النثر " و" الشِّعر "، لأنَّ أوضاعَ هذه الكتابة، أصبحت مُتَشَعِّبَةً هي الأخرى، ولم يعد مُمْكِناً، وَصْلُ صَفْحَةٍ بأُخرى، أو عَطْفُ السابق على اللاَّحق فيها، لأنَّ كُلّ صفحة أصبحت تَمْتَلِكُ توزيعها الخاص بها، ولم يعد مُمكناً اعتبار " الكتابة الإملائية " وَحْدَها هي دالُّ هذا التـوزيع. فالنص اسْتَحـالَ إلى أراضيَ لا تَحْكُمُها مُسَلَّماتُ السَّفَـر القديـم، ولا مُسَلَّمات المفاهيم المُتَلاشِيَةِ، بل إنَّ تشعُّبات توزيعاته الخطية، وما يَحْدُثُ فيه من تَوَالُجَاتٍ، في مستوى العلاقات التي يُحْدِثُها مع مرجعياتٍ، ليست شعرية بالضرورة، أو تَنْتَسِبُ إلى " لغة الشِّعر "، كما يذهب إلى ذلك الفصل القديم بين لُغة للشِّعر وأخرى للنثر، أصبحت تَحْتَكِمُ إلى استراتيجية بناءٍ، التَّجربَةُ، بكُلِّ اشْتِبَاكاتِها، هي ما يُحَدِّدُ أفق بنائها. فنحن، على أيٍّ، أمام بنـاءٍ، لكنه ليس بِنـَاء أُسُسٍ، كما سعـى ابن طباطبا إلـى ذلك، فـي تعامُلِـهِ مـع " القصيدة "، بل بناء انشراحات وتَمَوُّجاتٍ، أو هو بالأحرى بناءً هيراقليطياً، بالمعنى الذي يُعطيه هيراقليط للشمس التي ليست هي نفسُها التي تُشْرِقُ كُلَّ يوم، أو هكذا نَتمَثَّلُها، وفق طبيعة الحالة التي نكون عليها، أقصد التجربة تحديداً.
[8]
البناء الفارغ إذن، هو كل بناء لا يَشْرِطُ الممارسة النَّصِّيَةَ بِوَعْيِ بنائِها، و هو أيضاً، كُلُّ بناءٍ ما زالَ محكوماً بـ " الأُسُسِ، أو مُقيماً في " البيت القديـم "، أو في ما يَتَرَتَّبُ عنه من تَبِعَاتٍ، لعلَّ " نظام الوَقَفات " [هكذا!] هو أحد مظاهر الأزمة التي ما تزال النظرية الشِّعرية المُعاصرة تعيشُها، لأنَّ هذه النظرية، حتى وهي تعودُ إلى " الأصول "، لم تُنْصِت بالعُمق الكافي إلى ما تستدعيه هذه الأصول ذاتُها من مرجعيات، كانت في بُعدها المعرفي، محكومة بمركزية الصوت "، وبهيمنة اللِّسان على الخط، أي على الكتابة.
أليس مفهوم البيت، و" نظام الوقفات " الذي هو من تَبِعاتِهِ، هو انعكاس لهذه المركزية التي لم نتحرَّر منها، حتى ونحن نخرجُ من وضع البيت المُقَيَّـد أو " المسكون "، وهو ما يُسَمِّيهِ النفـري بـ " القبـر "، إلى " البيت الحـرّ "، أو السَّكن المفتوح..
وَعْيُ البِنَاء، لا يُمكنُه أن يَسْتَكْمِلَ شرطه النظري، إلاَّ بوعي الكتابة، أي بوعي تلك التَّشَعُّبات التي تُحْدِثُها الكتابـة، وهي تخـرج من الصوت إلى الصفحة، أو إلى تلك الدَّوالّ التي ظلَّت بعيدةً عن وَعْيِنا، لأنَّنا لم نكن نقـرأ إلاَّ السَّواد، أو ليل " القصيدة "، حتى نبقى في سياق المفهوم القديم.
[9]
عندما كان تينيانوف يُؤكَّدُ على مفهوم " الدينامية "، فهو كان يذهبُ إلى وَعْيٍ مُغايِر. فكتابُه حول البيت الشِّعري، لم يكن نظرية حول البيت ذاته، البيت كان، عُنصر بناء، لا يمكن تحديد وضعه من خلال انفصاله، أو إفْرادِه،، بقدر ما كان شَرَيَاناً، صِلَتُه بباقي خلايا النص، هي ما يجعل منه شِعْباً، لا تَحْدُثُ الصِّلَةُ بمكوِّنات النص، أو لا يمكن لنسيجه أن يكون إفْضَاءً، بعضُه يُفضي إلى بعضه الآخر، إلاَّ بوعي هذا البعد الإفْضَائِيِّ فيه. أي ما يكونُ وَصْلاً.
حين نتَّخِذُ من مفهوم الدينامية عُنصُرَ بناء، فنحن نكون قد أتَحْنا للنص دَمَهُ الذي يَسْرِي في كُلِّ الجسد، و جعله، بالتالي، جسداً حيّاً، مُتَحَرِّكاً، أو جسداً هيراقليطياً، إذا تركنا الشمس وعُدْنَا إلى النَّهر.
[10]
الكتابة اليوم، لم تعد استجابةً لنِدَاءً قادمٍ من مجهولاتٍ ما، فالنِّداء هو إيذانُ بالشُّـروع، وبمُزاوَلَة الكتابـة، لكن وعـي الكتابـة، باعتبارها إفْضَـاءات وتَوَالُجاتٍ، لا يمكن الاحتكام في قُدُومِها، إلى الصُّدفَة وَحْدَها، هو ما يجعلنا نخوض هذا النداء بِوَعْيٍ نظريٍّ، لم يعد الشِّعر اليوم بِمَنْأًى عنه، ولم يكن، حتى من قبل، بعيداً عنه. كثيرة هي القصائد القديمة التي فَضَحَتْ بناءَها، أو وَشَتْ بوعيها النظري، ليس نَظَراً، بل ممارسةً، أي في ثنيات النص ذاتِهِ. هذا السلوك النظري الذي أصبحت الممارسة الشعرية المعاصرة تَذْهَبُ إليه، و تَخُوضُهُ كاخْتِراقٍ نظريٍّ طالَ جسد النص الشعري، واسْتَبَاحَ لُغَتَه التي كانت من قبل ترفض لغةَ المتكلِّمين والفلاسفة، أي ما ليس شعراً، وتعتبر الشِّعرَ نوعاً لا تَطَالُه الأنواع، و لغةً، لا صلة لها بالفكر، أو بـ " لغة النثر ".
إضاءة أولى
لم يعُد ممكِناً اليوم، فصل مفهوم البناء وَوَعْيِهِ، عن وَعْيِ المعمار الحديث. ثمَّة دراسات ونظريات معمارية، الاقتراب منها يُتيح لنا تَوْسيع النظر، في مفهومنا للعمارة، وللمكان بشكل عام، وللفراغات، والتجويفات، والأحجام، بشكل خاصّ. فإذا كان التشكيل الذي دَأَبَ الشُّعراء على اتِّخاذه مرجِعاً، في وَعْيِ العلاقة بالأمكنة، بالضوء والظِّلِّ، أو ما يترتَّبُ عنها من تغيير في المنظور أو الرؤية، فإنَّ ما أصبح يُتيحُه لنا المعمار، وأشكال البناء من انشراحات في النظر، وفي الاستثمار الباهر للأمكنة والفضاءات، هو أحد المنظورات الجديدة التي، في تمثُّلِها، يمكن للنص أن يَنأَى بنفسه عن البناء ذي البُعد الواحد، أو البناء الفارغ، الذي لا يُتِيحُ للقاريء أن يُضَاعِفَ من وَعْيِهِ بجهات النص، ويصبو بمنظوراتِه نحو إفضاءاتٍ لا تأسَرُ نفسها بضيق المساحة، أو الحَيِّزِ، لأنَّ طبيعة النص، حين يكون محكوماً بوَعْيِ بنائه، وبهذا النوع من الوعي المعماريّ الحديث، فهو يُوَسِّعُ من منظوراته، ويُعَدِّد أمْكِنَتَهُ، أعني بناءاته.
إضاءة ثانية
في كتاب " ثقافة البناء وبناء الثقافة "، يذهبُ ناصر الرباط إلى أنَّ " العمارة المُؤثِّرَة " هـي " العمارة المُحَمَّلة بالمعنـى بحقّ "، أو هي " العمـارة التـي لا تفرض على المتلقـي معناها بتشكيلاتها المُكتَمِلة والمُتألِّقـة والمُتَكَبِّـرَة والفائضة، بل تستدعيه إليها وتُلفِت نظره لكونها إطاراً لمجموعة من المعاني الممكنة والمُحْتَمَلَة وغير المفروضة تشكيلياً ووظيفياً.
العمارة الناجحة رمزياً ومعنوياً هي التي تقترح ولا تفـرض، التـي تُسايِرُ ولا تُجْبِرُ، والتي تُومِيءُ إلى معناها ولا تمليه إملاءً. إنها في نهاية الأمر العمارة الفاعلة التي تغوص في أعماق النفس الإنسانية وتستخلص منها أبسط الأشكال الأولية والطبيعية والمتوازنة بصريا وهندسياً، وتبني منها مجموعاً مُركَّباً مُثْقَلاً بالفراغات المتروكة خصوصا دون وظيفة ولا معنى محدّد لكي يتمكن كل متلقّ من اقتباسها لنفسه ليمنحها مدلولاته الخاصة ومعانيه الخاصة التي تجعلها في نهاية الأمر عمارته هو، مَوْئِل ذكرياته هو، مع ما هي عليه أصلاً من عمارة ذات وظائف جمعية، ومعانٍ جمعية طبعاً، وذكريات جمعية تؤدّي رسالتها من خلال تواصُلِها مع ذلك الهامش الفرديّ الخاصّ الذي بناه كل مُتَلَقّ لنفسه فيها ".
ألسنا هنا، بصدد بناءٍ ديناميّ مفتوح، عَطْفاً على ما سمَّيْناهُ قبل بالشعرية الدينامية المفتوحة، رفضاً لمفهوم الانفتاح وَحْدَهُ، الذي لا يَفِي بالصيرورة، بقدر ما هو استقرار. ففي عطف الانفتـاح على الدينامية، يكون البنـاء وفق ما يكشف عنه المفهوم المعماريّ السابق، هو إطارٌ لاحتمالاتٍ وإمكانات غير مفروضة، أو هو اقتراح يُتِيحُ للفردي، والهامشيِّ والخاصِّ، أن يَنْبَثِقَ كأُفُقٍ لبناءٍ مُنْشَرِحٍ مُتَصَيِّرٍ، مُنْبَثِقٍ باستمرار…

الأربعاء، 11 يناير 2012

النَّصُّ القَلِـِقُ . صلاح بو سريف


رغم أنّ أبا تمَّام بقي أسيرَ بناء القصيدة، فهو بذهابه إلى بنية اللغة، وإلى تراكيبها تحديداً، أي إلى العلاقات التي تجمع الكلمات فيما بينها، وفق تركيب مخصوص، قد عمل على فتح ثغرة في أساس ِ بناءٍ كانَ قد اكتمل، أو أشرف على اكتماله؛ حين اتّخذ من الاستعارة ذاتها، نظاماُ قائماً على المُقاربة، وليس على التَّبْعِيدِ.
[1]
تميّزَت تجربة أبي تمّام بـ"غموضِـ "ـها. اللغةُ عنده، لم تكن تسير في نفس خطّ التَّعْبيرَات التي كانت القصيدة تَطْمَئِنُّ لها، أو تعتبِرُها أحد مُكتَسَبات الشِّعر. اختار أبو تمَّام المُفَارِقَ ليضع نصّه في مُوَاجَهَةِ قَلَقِهِ. فالاستعارات نَقَلَتِ الصُّورَة من البساطة إلى التّركيب، ولم يعد المألوف يكفي لِفَكِّ أسرارها؛ بل سيجد القارئ نفسه أمام أفُق مُفارِق لِتَوَقُّعَاتِهِ. فجملة النُّصوص التي قرأها من قبل كانت تضعه أمام اختيارات مُحَدَّدَة، وتُهَيِّئُهُ لِتَلَقِّيَاتٍ، كانت النّصوص ذاتُها تُفضي إليها. إنّنا، بهذا المعنى، أمام شعرية كانت تُرْسِي نَمَطَـها وتَبنيه. ونموذج أبي تمّام جاء كاختراق، أو هو بالأحرى، كانَ مُقتَرَحَ شعرية، سَعَتْ في تصوُّر صاحبها إلى الخُروج من شعرية النّمط، إلى شعرية الأفق.
هذا، في تصوُّرِنا، ما يجعل نصّ هذا الشاعر قَلِقاً، فهو غير مُطْمَئِنٍّ للسَّائد والرَّائج، وهو نوع من التّركيب الذي كان يخرج باللغة من التّركيب الخطِّيّ المُتَواصِل، إلى التّركيب المُتَقَطِّع الناتئ، أو ذي الأضلاع المُتَعَدِّدَة التي تُفضي إلى المعنى الكثير، وتضع قارئها في مَهَبِّ انكسارَاتِها.(1)
[2]
رغم أنّ أبا تمَّام بقي أسيرَ بناء القصيدة، فهو بذهابه إلى بنية اللغة، وإلى تراكيبها تحديداً، أي إلى العلاقات التي تجمع الكلمات فيما بينها، وفق تركيب مخصوص، قد عمل على فتح ثغرة في أساس ِ بناءٍ كانَ قد اكتمل، أو أشرف على اكتماله؛ حين اتّخذ من الاستعارة ذاتها، نظاماُ قائماً على المُقاربة، وليس على التَّبْعِيدِ.
فما أرادته الذّائقة العامَّة اكتمالاً، عمل أبو تمّام على جعله نُقصاناً، وَوضَعَهُ في مَهَبِّ الرُّجْحَان ِ. هذا ما جاء جبران ليذهب به إلى أقصى التّجريب. نظريا، كان جبران واعيا بمشروعه، وأعلن عن بعض جُزئِياتِ برنامجه في بعض كتاباته، كما أعلن عنها، كذلك، في بعض رسائله إلى ماري هاسكل.
بعكس أبي تمَّام، عمل جبران على وضع نَصِّهِ في مُفـترَقِ الجُرحِ. ولعلّ في إقدامه على الكتابة خارج النّمط، وإبعاد مسبقات التَّجنيس،(2) ما جعل لغته تختار المُفارِقَ، وتُتيح للشّكل أن يكون مُتَصَيّراً. سائِلاً. أو دينامياً، بالمعنى الذي يعطيه تينيانوف لهذا المفهوم.(3)
فــي مفهـوم الدِّيناميّ، أو المُتَصَيِّر، ما يشي بقلـق الشّكل، وبقلـق لغته التـي لا تفتأ تحدث وتكون.
النصّ، في هذا الوضع، يصبح هو المحكّ، حيث لا معنى لأيّ شيء إلاّ من خلال وُجودِه نصِّـياً، أي بما هو مُمَارَسَة نصِّيَة. أو كما يقول ميشونيك؛ فـــ " في ما هو نص texte ، لا معنى لأيَّة كلمة، فالنَّصّ هو معنى الكلمة ".(4) أي هو حياة الكلمة، أو حياة اللغة بالأحرى.وهو ما يسير في سياق مفهوم الدينامية كما عند تينيانوف.
نص جبران مُفْعَمٌ بهذه الدّينامية. قَلِقٌ. لا ينتمي لإطار مسبق. فهو مفتوح. سائلٌ؛ فيما هو يُكْتَبُ ويَنْكَتِبُ، عابِثاً بالأشكال التّاريخية، ذات الاتجاه الخطِّيّ الواحد.أو ما سمّاه جبران نفسه بـ " الشّكل اللاّمحدود الخاصّ ".(5)
وحتى إذا نظــرنا إلى نصّ جبــران باعتباره " نظــاماً "، فهو نظــام يقبــل " جدلياً " وجود الشيء ونقيضه.(6) أي إنّه حمَّال أوجُهٍ، وليس سيراً في أرض منبسطة.
[3]
وفق هذا التّصوُّر، كانت الكتابة تُعْلِنُ عن نفسها. تُؤكِّدُ قلقها، وتُؤَجِّلُ المُطْمَئِنَّ. تخوض المجهول، وتَضَعُ التَّسْمِيَةَ أمامَ تَشَقُّقَاتِها. فهي ليست واحداً بل كثرة، كما أنّها ليست شكلاً، بل انسياب وسيلان. وهذا ما يدفع، في تصوُّرِنا، إلى إعادة قراءة مفهومنا للشّعر في ضوء مفهوم الكتابة، ومراجعة أو نقد المفاهيم السّابِقَة على وجود الكتابة؛ بما هي احتمال واقتداء بالشّعر، وليست شكلا آلياً، ناجِزاً وتامّاً.
يعود الشِّعْرِيُّ هنا، في وضعه المُتَكَثِّرِ، وينفض عنه واحدية الشّكل الذي اسْتبَدّتْ به " القصيدة " كتسمية، وكبنية افتراضية، تارِكاً خلفه نسيانَهُ، مُسْتَعِيداً ذلك الانشراح البعيد الذي جاء النّص الدينيّ لِيُعِيدَ تذكيره ولو في سياق نُبوئيّ عقائديّ.
حتى عندما نعود إلى الأناجيل الأولى، أعني إنجيلي "بابل " و" سومر"؛ فإنَّنَا سنعثر على الكتابة وهي تخوض مُغامَرَتَها دون أن تَسْتـَأذنَ شكلا أو نمطاً سابقاً. أي إنّها تُمارِسُ الكتابة، وهو ما يجعلها شعرية بشكل جوهريّ، لأنّها لم تكن محصورة في عمل مّا.(7) بل كانت تخلق أشكالها، باعتبارها " عملا قويا " أو مُؤَثِّراً وحَيّاًً، لأنّها لا تَكُفُّ عن مُسَاءَلَتِنا، أو لا نَكُفُّ نحن عن مساءلتها.(8) وهي بهذا المعنى، نصوص قَـلِقَة ٌ.
[4]
في الشعر المُعاصِر، وتحديداً في ما أسمِّيه " حداثـة الـكتابـة "، خرج النَّصّ عن نمطية القصيدة، وذهب إلى مدىً لم تعد معه المفاهيم المُرَافِقَةُ للقصيدة، أو التي هي أحد تبدِّياتِ بنياتها الذهنية، قادرة على استيعاب هذا الامتداد اللاّنهائي، أو مُواكَبَتِهُ، لأنّ القصيدة؛ بما هي شكل تاريخيّ، استنفذت إمكانات البناء، كما استنفذت إمكانات الرُّؤيا، وبَدَتْ، في معظم ممارساتها المُعاصِرَة، نوعـا من الاستعـادة وتذكيـر الماضي. وهـذا ما يجعلُها تكاد تخلو من المُفارَقات. لهذا، فمفهوم النّص القَلِقِ، هو أكثر المفاهيم تمثيلاً للكتابة، كما أنّه من المفاهيم التي تجعل النّص، في طَيَّاتِهِ، يحمل كلّ سمات مُفَارَقَاتِهِ وتشَظِّيهِ. نصّا يسير في اتجاهاتٍ شتَّى، لا يكتفي بآخِر، فهو لا آخِرَ له. كما أنّ أوَّله يبقى صدى لصوت غير معلوم.
ليست الشِّعرية، بهذا المعنى، مجرّد نظام " يُفَسِّرُ أدبية الأدب".(9) بل إنّها ذهاب إلى مجهولاتِ نصٍّ لا يسمح للمفهوم ذاته أن يستقِرَّ في وضع واحد، أو يُصبحَ أداة ناجِعَة ً في تحديد المفهوم وضبطه.
لعلّ في أحد تعريفات النص، كما تقترحها " ميثولوجيا الواقع "، ما يكشف عن هذا النّمط من النّصوص ذات الفُروج والفَجَوَات والشُّقوق أو التّصَدُّعات التي تجعل من القلق أحد مُصَاحِباتِ الكتابة، أو شعرياتِها بالأحرى.
يقول ع. بنعبدالعالي " فالنّص لا يدخل ضمن تراتُباتٍ، ولا ينقسم إلى أجناس. ما يُحَدِّدُهُ أساساً هو قدرته على خلخلة التّصنيفات المعهودة. على هذا النحو فالنص دوماً بِدعة وخروج عن الدُّوكسا. إنّه قدرة على خلق المُفارَقات para-doxes .لذلك فما يميزه هو انفلاته من كل تأويل نهائي. إنّه لا يقبل الانغلاق.. النص.. لا نهائي ورمزيته لا حدود لها. وهو نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء".(10)
[5]
أستحضر في هذا السياق، شاعِراً مغربياً، نقل تجربته كُلّياً، من وضع القصيدة إلى وضع الكتابــة، أي حــوَّل النص من " حداثــة القصيدة " إلى " حداثة الكتابة "؛ حيث النّص أصبح شبكة علاقات مُرَكّبَة، تتدخّل في بنائه جملة عناصر تجعل قارئه غير مُطْمَئِنّ، يَخُوضُ النَّصَّ، بما هو طبقات ومضايق، وليس أرضا منبَسِطَة، سهلة، أو مخارج، بعضُها يُفْضِي إلى بعض ٍ بلا حَرَج ٍ.
أعني هنا الشّاعر محمد بنطلحة، في ديوانه "ليتني أعمى"، وفي ديوانه الأخير " قليلاً أكثرَ "، بشكل خاص.
تتبدّى ملامِح القلق في كتابته، في اللغة. لم تعد الاستعارة، باعتبارها قلبا للوظائف والعلاقات، تكفي لقراءة نصّه. النصّ في " ليتني أعمى " يُجَازِفُ بالمعقول، ويعصف بكلّ القرائن، التي عادة ما تكون في الاستعارة، هي نقطة الضّوء التي تُفضي إلى آخر النّفَقِ. يُبَدِّدُ صلة الوصل، ويختار المُتَشَظِّي والمُتَقَطِّع، كصيغة جمع بين المُتَفَرِّقاتِ، وبالمُتَقَطِّعِ ذاته، يصل النَص بِكُــلِّهِ.
الصُّورَة التي كانت في حداثة القصيدة، تقوم بوظيفة الوصل، أصبحت في هذا النص، فصلا واحتِمالاً. هذا ما دفَعَنا في قراءة سابقة لهذا العمل œuvre، نذهب إلى اعتبار المُفارِقِ والشّاذ، هما جوهر هذه التّجربة. إنّ الكتابة، بما هي ممارسة، لم تعد تشرط وُجودَها بالقائم، فهي بَدْءٌ.(11) أي أنّها انحياز فاضح للشعر وليس إلى القصيدة. إنّها عودة إلى أوَّل الماء.
لن نُجازِفَ إذا اعتبرنا اللغة، في تجربة محمد بنطلحة، شارَفَتْ ذاتَها، وأنجزت كفايتها باستنفاذ مُمكِنَاتها دون حاجة إلى الرّمز الذي كان، دائما، وسيطاً في تقريب المسافة بين النص وقارئه. اللغة، هنا، بما هي كُلّ، أو سياق، كما أشار ميشونيك من قبل، اختارَت التَّبْعيدَ Distanciation كمُقتَرَح قراءة ، وهو ما دَأبَ قارِئ القصيدة على وصفه بالغموض.
أليسَ النص، بهذا المعنى، كما يقول غاستون بييل " فَخّـــاً ". فهو بقدر ما يتبدّى يخْتَفِي،(12) أو يجُرُّ قارئه إلى مُفارقاتِه، مُضَاعِفاً قَلَقَهُ.
[6]
لن أعودَ إلى التّوزيع الخطّي، الذي هو أحد مُقتَرَحات الكتابة، وسأكتفي بالحديث عن الشكل في النّص، أو النصوص القَلِقَة.
الشّكل في هذا المُقتَرَح النَّصِّيّ، وَهْــــمٌ، أو هو ضرب ٌ من الأسر الذي تسعى قراءات القصيدة إلى افتراضه ووضعه كإطارٍ بهِ تضمن سلامَةَ قوانينِها.
فحين لا ننظر، كما يُشير إيكو، إلى الكتابة كتجربة شخصية،(13) وهو ما يُؤَكِّدُهُ ميشونيك أو يُضَاعِفُهُ، حين يتحدّث عن " الشعر كمُختبر "،(14) فإنّنا سنبقى أسيري وضع سابق على وجود النّص. وهذا ما لم تعد " القراءة المُعاصِرَة "(15) تقبله، أو ينسجم مع تصوُّرَاتِها.
في تجربة محمد بنطلحة، الشّكل إفْضَـــــاءٌ، وليس حَدّاً. فهو يُفْضِي إلى مُحْتَمَلاتِهِ، إلى الذّاتي في الكتابة، وإلى المُفرد الذي يُبَدِّدُ جَمْعَهُ مُكتَفِياً بتوقيعه الخاصّ.
أليس الــذّاتي والمُفرد والخاصّ، أفُقَ شكلٍ جــامِع، أو كُلِّيّ، تتأسّسُ ملامِحُهُ بالعودة إلى التّجربة، بما هي كُلّ، وليس من خلال نصّ أو قراءات تختار من التّجربة بعضها، وتتجاهَلُ الباقِيَ منها.
إنّ الشّكل هنا، بِلَّوْر مُتَعَدِّد الأضلاع، إنّه شكل شعريّ بامتياز، وليس شكلا بالمُفرَدِ، كما كَرَّسَهُ فهمنا للقصيدة، باعتبارها جمعاً، أي شعراً، وليست مُقتَرَح نصٍّ، الشعر جمعُهُ.
[7]
يعود بي هذا، إلى شاعر آخر، وهو سليم بركات. تجربة أخرى قَلِقَة ٌ، تُبَدِّدُ شكلَها، وتضع قارئها في حَرَج ٍ.
الصَّفْحَة ُ التي كانت تحتفي بالبياض، ضاعَفَتْ من حضور المكتوب l’écrit، وأزَاحَتْ عن النّص شُبْهَةَ القصيدة، باتِّخاذ العين وسيلة حَسْــم ٍ.
نَصٌّ يُضَاعِفُ لَيْلَهُ.
هذا ما ضاعَفَ أيضاً، من بلبلة الشّكل، وأحْرَجَ قراءاتٍ قارَبَتِ النص، أو باعَدَتْه ُ بالأحرى، باعتمادِها على أداة لا تـُعيرُ اهتِمَاماًً للذاتي والمُفرَد.(16)
[8]
تشويش الشكل وطمسُهُ. هذه إحدى المَهام التي تَتَّخذها الكتابة شرطاً لوُجودِها. لأنّها ببساطة ليست كتابة شكل، أو كتابة بشكل، بل هي كتابة تَتشَكَّل؛
تَصّـيُّرٌ وانكتابٌ لا يفتأ يحدث.
ليست خِتاماً إنّها بَدْء ٌ. سَيْرٌ لا ينقطع. لأنّها تَوَتُّرٌ وقلَــق ٌ دائِمٌ ِ…
هوامش:
1. وهذا ما ينسجم مع طبيعة " البنية التّعبيرية المُرَكَّبة "، التي هي " خُلاصَة فكر مُرَكّب ". انظر Gallimard,1970,p56 Henri Meschonnic , Pour la poétique1
2. فهو لم يتّخذ الجنس أو النوع كـ " نموذج فني للعالم " أو نوع من تذكُّر الأصل " Pour la poétique2, Epistémologie de l’écriture poétique de la traduction, Gallimard, 1973, p.p. 201-202 ويمكن العودة أيضا إلى كتاب، Umberto Eco, De la littérature, Ed, Grasset et Fasquelle, 2003, p. 299
3. Iouri Tynianov, Le vers lui-même, Les problèmes du vers, collection 10-18, 1977
4. ويرى في نفس السياق، أن " الكلمة ليست كلمة، بل سياق ". كما لا يُمكن مواجهة الكلمة إلاّ من خلال الكُلّ .
5. Pour la poétique1, p.p.20, 38. et, Pour la poétique2, p.162 وتوفيق صايغ، أضواء جديدة على جبران، دار رياض الريس للكتب والنشر، 1990- ص 231.
6. Pour la poétique 2, op.cit, p. 139
7. وهو ما يعبـر عنه إيكو بـ "التجربة الشخصية ". م.س. ص.305 أو كما يرى ياكبسون، فـ " الشّعر يحمينا من الآلية " Pour la poétique , 218
8. ن.م. ص. 150-154
9. بفسه.ص. 26 و 45
10. De la littérature, op, cit, p.304
11. عبد السلام بنعبدالعالي، ميثولوجيا الواقع، دار توبقال 1999.ص. 59
12. Cahier de l’Herne, René Char, Ed de l’Herne.1971.P.76
13. Ibid, p.227
14. De la littérature, op, cit, p.303
15. Pour la poétique1, op, cit.p.93
16. Ibid, p.103
17. H. Meschonnic, politique du rythme, politique du sujet, ed, Verdier, Lagrasse1995.