مدوّنة الكاتب الكرديّ : عبداللطيف الحسيني .

الجمعة، 14 أكتوبر 2011

كيفَ أحمِلُ الأرضَ؟ . كيفَ تحملُني؟. (1)

 (أستاذي في الجنون عبداللطيف الحسيني , نعم ...هو: دينوكا)


إلى عبداللطيف الحسيني : إنهُ الترابُ حين يتفتّت .
هكذا تحبّ لهذا…
وكذا يخونُ لماذا…
وأنا أحبكَ آنذاك…
ذات جدا غريدة…
موتها ودج صغير…
مجمرة مهجتي، فكيف لا أحترق؟
أتسطر ما تبقى منك فيّ
أستنهضُ دفءَ الكلمات في موتي
استقرئ ذاك الجليد الدامي….أنا الأرضُ فكيف لا أثور؟
بين السرّ ورائحته أحيك تفتت ظلي.
فوق أوراق الخرافة تعلو بنفسجة اليقين،
بين رماد ونثار، يلهثني العطش
بين رتق ونزيف، تعلكني الذروة
تحملني ممراتُ القيامة
يتلوى أنينك المغروس في جسد الكمان
يتقصّف الموت حقيقة
صفصافة تعتقل في رحم التيه موتها الشهي
تعتصر لهاثا يتعرّق وينفث نفسه ليضيء وجه الكون.
فكنتُ العبور…
وكنتَ الثبات…
وكان فعل أمر متوهجا كوردة
تقشر الروح في كف الجسد، فيكَ
حقول عباد الشمس
حمامة فكتوريا المتوجة.
هشاشة التلاشي المثقلة بآخر أيام ديسمبر…..
.شهية رائحة القبلات وهي تحترق….
لذيذة كالموت، كالوهم……………..وأحلم:
لا أحبّ الرخامَ الأملس، عذارى الفراشات خاصرتي… وتوهج حبة رمل واحدة هي الشمس. جمرة واحدة تتقصف في صوتك، تشتعل صراخات، تتفسخ خيبات، ووجوه ضائعة.
هي أدمغتنا العذراء، هي كل تفاصيلنا الصغيرة من الفقدان.
هي ترنحاتنا الوعرة، شطط فوضانا، تدحرجُنا المبللُ المبلبل. غيوم دنيانا.
عيناها المنكسرتان.
هي نكات الآخرين المتبقية. خيوط العابرين.
هي الرقص تحت أضواء الهسيس الخافتة، أو ربما _ بعض الكلام ….
في الصباح: هي وجه قلبك القرمزي المتأجج. مسلك الهواء الوحيد العائد من الجنة..
في الظهيرة: شعاع ساقط رجعي يرشق الفقراء بحصيات أنفاسهم.
في المساء: هي شواطئنا المنحسرة في حفنة من سكون……….
هي لغة كل ما ينمو….
هي مزاج وهكذا …………………..أحلم
كأنها تقاسمني شيئا ما ….حين تغيب , فتعانق فرسانها وخيولَها.
كل مَن أتعبهم الشباب وسد نوافذ أحلامهم.
تغيب لتحملني عبئا روحيا مهوّلا من فرط صدقها في ممارسة الغياب!
اذ تتفرخ في مستنقع عميق ثم تنتهي كنداء خفيف متتالٍ .
يسحبني من مناقيري المرقطة تلك الرملية الباهتة،
بكل ما تتكبده.
هي كرواني الجبلي. هي صيحته الشجية الباكية…
هي قطقاطي الأغبر، نداؤه الدمشقي العذب.
عوّدتنا أنْ نكونْ أقوياءَ: بهاءً وسطوعا.
ضياؤها المنشورُ في جوار الأرض، في كلِّ ركن من السّماء، يغادرنا فيتركنا متفسّخين، ظلاميين بأسمائنا، بنفوسنا، بفوضانا. بدوراننا الأعمى.
كأنَّ حقبة الإرادة والقوة قد تبدّدتْ؟ كأنَّ الأمنَ قد امتلكة اللصوصُ؟
كأن الانسانية تصرخ: لا وجود لي في ذاكرتي……وأحلم
بجسدها المنحوت بدقة. عملاق كونيٍّ رقيق يرضعني الأمان.
كيف لهذا البؤبؤ الناصع البياض أن يمتلكني؟ كيف لهذا الجرح الغائر فوقَ الكلّ أن يقذف بي لمغاور الفناء؟
كم أشتهي أن أضع على قبرها حزمة ورد.
الشمسُ حقيقتنا اذن، بصفائها، بطهرها، باصفرارها، شئنا أم أبينا.
حرارتها العظيمة هي أمواجنا القاتلة، زحفها الطويل هو سفرنا الغريب نحو الأبد.
تعاليها فوق انفعالات أمواجنا المتلاطمة هو سلام الأرض.
أنين تربتها الخاوي _ مخلفاتنا من الانكسار.
سراب ألقها الصقيل _ تنفسنا اللاهوائي.
صوت الكمان البعيد……………….. في ذاكرتي.
الآن أنا حاضرة، لم يفاجئْني أنَّ الشمسَ تعرفني بتأثري.
أحملُ شعلتي الحرّة، أرفع قهر الدنيا، مفاعلها وألوانها الفاقعة، لأستقرئ الظلال.
لأغربل رمادي المتبقي. زيتي المعاد امراره…….
كلما انتصبت أمامي لتطفيء حريقها الأعظم تشبهني لحدٍّ ما.
كأنها تطفئه في جوفي.
هي تصدعي النجمي _ زاحفيته..
هي سحبه الليلية المضيئة. مصباحك التوهجي.
هي زيته اللاجفوف،
زجاجه الذي لا يتناثر عند الانكسار.
كيف أصبح مجرد خيط محروق إذن؟
من حوله لعنق بركاني،
لخرسانة مسلحة،
لكئيب جليدي،
لغيمة سديمية محددة المدار؟…….. وأحلم:
أنا صندوق أذرع متأرجحة،
أنت تشققي الحلقي،
أنا دقيق صخري حزين…….
وأنت توهجي الضوئي
الجزء الأوّل من كتاب الكاتبة الفلسطينيّة نائلة الخطيب بعنوان : كيفَ أحمِلُ الأرضَ؟ . كيفَ تحملُني؟.

السبت، 8 أكتوبر 2011

حجرة عبد اللطيف . للكاتبة و الباحثة المغربيّة لطيفة لبصير .

للكاتبة والباحثة المغربيّة لطيفة لبصير .

(لطيفة لبصير )
حجرة عبد اللطيف .
حجرة عبد اللطيف وهو يجلس فوق السرير، كان جسده قد أصبح مثلث الزاويا، وكانت الزاوية الرابعة قد غادرت جسده، وكان يزداد انكماشا. تقوس ظهره حتى سقط رأسه في وسط جسده ثم غاب فجأة ليحضر كأس قهوة سوداء، ويبدأ في الصراخ مع كل رشفة وكأنه يرتشف جسده قطعة قطعة، ثم نظر... إلى السرير، وأحس بكره شديد لهذا السرير الذي يبعده عن الأرض والذي يفقده التوازن، قام واقتعد الفراش اليتيم في الحجرة، ثم أحس بأنه لا يشعر بالراحة أيضا، غادر باب الحجرة إلى جوار المنزل وتساقط على الأرض، كانت الأرض تشعر به وتمنحه شيئا من الاحساس. كانت تشعره بأنه يوجد بينه وبينها علاقة قرابة حقيقية، ثم شرع يشرب الفنجان تلو الآخر، القهوة السوداء وفناجين تنتظر وقلق متربص به يتوثب للانقضاض على جسده النحيل. وهو يحدق جيدا، كانت عينا دارين قد اتسعتا بخوف رهيب، نظر إليها وهي ترتدي ألوان الفرح، قبل جبينها وطلب منها أن تغادر المكان فورا، وأخرج سجائره وشرع يلتهم السيجارة تلو الأخرى، كان يقبل الورق الشفاف، وكأنه يشعر بالذبول أمام السيجارة، وكان الورق كلما تبلل برذاذ فمه، يشعر هو بالاحتراق، لكنه لم يتوقف. عاد إلى الحجرة، كانت تئن بالذكريات، هنا كان ياسين يضحك وهو يقلب صفحات الجرائد والمجلات ويحمل القصائد الجديدة، وبالخارج كان يقف محمد متأبطا أوراقه الكثيرة المرتبكة وكأنه بعد قليل كان سينشر الخلاص من الموت. كان يأتي محملا بالرغبة والجنون والكلام الكثير، وكان الدخان ينبعث من الغرفة مع أكل لذيذ ولغو كثير، يتذكر ذلك وهو ينظر إلى كتبه الكثيرة التي صارت منزعجة لأنها لم يمسسها أحد منذ زمن، ولم تغازلها يد أو عين. ينظر إليها: هل كانت هذه الكتب بقادرة على محو العبث الذي يوجد بالخارج؟ هل كانت تستطيع إيقاف زحف الدم؟ هل كانت بقادرة على الصراخ في وجه القاتل؟ ليس يدري... قام إليها، كان أبو العلاء المعري يعانق الجاحظ، ليس يدري لماذا يلثم الكتابان بعضهما وكأنهما يعلنان حلف المضي قدما جنبا إلى جنب. كان الجاحظ يتجلى بسخريته اللاذعة وهو يردد:"متع الدنيا ثلاث...أكل اللحم، والجلوس إلى اللحم ودخول اللحم في اللحم"، وكان أبو العلاء يقول: "تعب كلها الحياة...فما أعجب إلا لراغب في ازدياد". كانت الحياة تجاور الموت، وكأنهما يتعانقان عناقا أبديا، قام عبد اللطيف وأبعد الكتابين عن بعضهما البعض، الجاحظ يعانق المعري هكذا ويلثم جبينه ...الآن هو لا يريد ذلك، هو يكره حتى الأوراق المتناثرة بداخل الحجرة، لكنني قدمت إلى هناك، نظر إلي نظرة باردة، كان جريحا جدا، قال لي: أتشربين قهوة سوداء؟ نظرت إليه وقلت: أليس عندك غير القهوة؟ هذه القهوة هي حادة...لونها أسود، وهي تشرب في الحداد، وعند الرغبة في اليقظة، وأنا لا أريد صحوا الآن، أريد أن أتهادى قليلا...وأن أتحدث إليك... - وماذا تشربين يا عزيزتي؟ نظرت إليه بهدوء تام، وقلت: أريد شايا، فالشاي مخادع له لون النبيذ وطعم الرغبة في الحياة، أريد شايا، لأنني أشعر بأنه يمنحني جزءا من الأنس... كان عبد اللطيف قد أخرج هذه الكلمة من قاموسه السري، فلم يعد يشعر بالكائنات منذ زمن، صار الأنس بعيدا، وصار للألفة منظر الدم في كل يوم، والألم عم المكان والأشخاص والأدمغة... نظرت إليه ثم قلت وأنا أتأمل عينيه الحزينتين جدا: - أتدري يا عبد اللطيف أن للشاي أنس غريب، فحينما أضع هذا الإبريق أمامي، فأنا أضع كؤوسا كثيرة حتى لو كنت وحيدة، وأفترض دوما أن أناسا آخرين سيحضرون، حتى لو غابوا، سيأتون ليجتمعوا حول الصينية الدائرية، لأنها تعشق الدائرة، ويتخلق السمر والكلام، لذا اعتدت أن أشرب الشاي بكؤوس كثيرة حتى في أحلك لحظات عزلتي...أما القهوة فهي فردية لأنها تكره الأنس، وهي سليلة العزلة ولا تريد آخرين، إنها تريد الانزواء والتأمل، أما الشاي فهو يقدم لك أشخاصا آخرين...حتى لو لم يحضروا، صدقني عبد اللطيف، سيأتون إننا بانتظارهم... كان عبد اللطيف قد التوى في مكانه الخاص، وانزوى ليحكي ألمه بكل الألوان والأشكال، مرة ينط من فوق البئر مع طفله، ومرة يجلس منكمشا فوق أمكنة بئيسة، ومرة يمسك برأسه بألم قوي، ويصرخ، ومرة يسابق طفله ويبدو له القادم بعيدا بعيدا جدا... كان عبد اللطيف يتحدث عن ابن الفارض وعشقه الصوفي، حتى دخلت كل الوجوه إلى حجرته، كان قد ملأ الحجرة بكل الآخرين، صاروا أمامنا، ومعنا وفينا، وبدؤوا ينشرون رسائلهم على أرض حجرته: نائلة...سعيد...ياسين...سلوى...الكل ينشر رسائله على الأرض، وعبد اللطيف يغرق في الزحام والأصوات واللغة والكلام من كل بقاع الدنيا وبكل اللهجات، وبدأ يشعر بالآخرين...وكأنه يقتات منهم ويقتاتون منه...وضعوا الرسائل وانصرفوا... كنت ما أزال أرتشف الشاي بهدوء، وقلت له: ألم أقل لك إن الكؤوس الفارغة تستحضر الأرواح الغائبة، إنهم حضروا هنا لأنهم شعروا بأننا ننتظرهم. كان عبد اللطيف ينظر إلي، ملأ كأس الشاي وبدأ يشرب بنفس الهدوء، وتصلب ظهره، وقال لي: وأين رسالتك أنت؟ قلت له: أما زالت لم تصلك رسالتي...لقد جئت من هناك لأحضر معي كل الضجيج، وشربت كأسا مليئة بالحياة، والآن سأنصرف وأترك رسالتي الأخيرة معك... كان عبد اللطيف ينتظر شيئا ما، فتش عن الرسالة، هربت إلى الخارج، دار في الحجرة متوعدا، متربصا، محدقا، تائها، ثم عاد إلى الكأس، فوجد فوق الصينية رسالة صغيرة فتحها وقرأ كلمات صغيرة أيضا: " في قلبي جرح قديم...عبد الهادي بلخياط" طوى عبد اللطيف الرسالة، وبدأ يتساءل....

الاثنين، 3 أكتوبر 2011

أنا لستُ لي .

 أنا لستُ لي .
( أنا لستُ لي .)

إلى غسان جانكير وفرحان سيدو .

كأنّ ما قلناه وقالَه الحِراكُ الوجوديُّ منذ أشهرٍ معلومات يُريدُه أشباهُ رجالٍ كانوا أقربَ إلى الاختفاء أوالاختباء (بالمعنى التحقيريّ) , باتَ ظلًّ أؤلئك الأشباه يُبانُ على سطح مَنْ يجاريه في جلساتٍ أقربَ إلى "القال والقيل" منها إلى هدير سمعته كلُّ جهات الأرض : سمعه الشمالُ قبلَ أنْ يُلقيه إلى جنوب الأرض المسحوق .
لا شكَّ في راديكاليّة بعض مثقفينا الذين كانوا قد ركبوها (على ما يبدو) في وقتٍ لم تكن الحياةُ بأمسّ الحاجة إليها , و حين طلبتها الحياةُ وتطلّبت تحديثَ تلك الراديكاليّة التي اختفتْ في غبّ الحدث , فكيف بمعتركه ؟ الوجود الصقيعيّ لهم , المتحرّك ضمن أُطر أشبه بصرخةٍ لا تخرج من (زنزانة أفواههم ) لن ينطلي صقعُ وجودهم إلا على أشباههم , فكيف بِمَنْ جارى صوت الحراك و صداه , وما بينهما من عتابٍ ونقد لم يكنْ يُرتجَى من أيٍّ كان حتّى من أقرب المقرّبين – البعيدين عن صدى ما قاله نبضُ الأطهار , حتّى باتَ جزءاً حقيقيّاً منه , وجودُه في وجودِه , إنْ غابَ , فسيغيب (وذاك لن يكون) .
و في الطرف الآخر من شأننا الداخليّ الصرف ثمّة حديثٌ خجول يُعجب الكثيرين ممّنْ (نمّروا و ذأّبوا جهاتٍ بعينها و ألّبوها على مساكين الأرض و بُسطائِها) . الحديث الخجول الأقرب إلى السَفَهِ العارم و الركيك الذي فحواه : السكوت أيّها السادة – عودوا إلى أماكنكم سالمين , بعدَما كنتم غانمين . أؤلئك كانوا غائبين عن أقرب جار سُحِقَ بفضلهم سنواتٍ .
 - تجاه حالتين تجاريّتين تأسّس عقلٌ يقرأُ الواقعَ بأبهى صوره , وصلَ إلى حدّ التماهي معَه . الواجبُ الأخلاقيّ يقول قبلَ أيّ زيف رخيص , وقد كَثُر في الأيام الأخيرة : لا أحدَ يأمر ولا أحدَ ينهي عقلاً جديداً خَلَقَه الحسّ الحادّ بما حولَه نقاشاً وإعادة الإحساس إلى الكائنات وإلى وجودها الصارخ المنقّب. و لن أزجي أيَّ امتنان إلا لِمَنْ يستحقّ .
أتذكّر محمود درويش الذي احتجّ يوماً :
أنا لستُ لي
أنا لستُ لي.


الأحد، 7 أغسطس 2011

المثقفون هم الممثلون

أين مثقفونا (أقصد أصحاب الفنون السبعة) , وأين اختفوا ؟ أم أنّهم خارج سوريا (أوربا - دول الخليج) ؟ بالأمس القريب والحقير كانوا يرفعون عقيرتهم منادين (بالثقافة الجديدة) , و خصوصاً الأصوات الباهتة ككتاباتهم السطحيّة ل(كتابنا وفناننا)؟ أم أنّهم ملأوا جيوبهم  مالاً و (حكمةً) و منحونا سكوتَهم . ألا يعلمون أنّ الشارع باتَ يلفظُهم و يطردهم شرّ لفظ و طرد . أم أنّ البعض باتَ (متديّناً) و يحملُ مسبحة ذات المئة حبّة و حبّة ؟ و حين يختلي هؤلاء  بمَنْ على شاكلتهم يُقرعُ الكأسُ بالكأس ! ألا يدرون أنّ أمرَهم مكشوف كتلك البطاعة الفاسدة التي تُباع في الطرقات في عزّ الصيف الحارق . .. و لا داعي للتكملة لأنّهم يعرفون أنفسهم ؟ المثقفون هم الممثلون .  

الأربعاء، 3 أغسطس 2011

التواصل في ابحاث امبرتو إيـكو

د/محمد بلقاسم*حياة لصحف**لقد ولَّد الاهتمام بالاتصال رمزا وإشارة ونطقا وكتابة ...الخ علما يدرس أشكاله المختلفة وهو "علم التواصل" أو "علم الاتصال" الذي قال عنه "هوغ Hogue": "يشكل جزءا من ديكور الإنسان الذي عرف تطورات مع مرور الزمن-1-. ومن هنا بات من الضروري دراسة قضاياه دراسة علمية، من أجل الإفادة منها في حل الإشكاليات التي تطرح في مجاله. ونظرا لهذه الأهمية فقد شغل موضوع "التواصل" معظم العلماء والباحثين المختصين في مختلف فروع المعرفة الإنسانية، وقد سلطت ُ الضوء في هذا المبحث على أمبرتو إيكو (Umberto Ecco) كمنظر سيميائي إيطالي وقد تشجعت في خلق هذه الإشكالية أي التواصل في أبحاث إيكو، لاشتغاله على عدة أنساق دالة كالنصوص الجمالية اللغة والإشهار والصورة والسينما والموضة والفولكلور والتاريخ والفلسفة وفلسفة اللغة ثم الرواية وكتابة الرحلات-2-.
فإذن يُعدّ إيكو الأب الفعلي للنظرية التأويلية النقدية* الباحثة عن علاقة التأويل النصي بالثقافة والتواصل. وقد أعطى التواصل من الناحية الدلالية بعدا موسوعيا للسان/ النص. المتلقي، وهبط بالثقافة من عليائها المتعالي وأطعمها بأدوات الواقع المحض. فكان مغامرا في المعرفة، أراد إيجاد منزلة بين المنزلتين فأقام تركيبا كيميائيا معقدا جد-3-
ولا بد من الإشارة إلى نقطة مهمة، كان قد أشار إليها مصطفى ناصيف في كتابه "اللغة والتفسير والتواصل"-4-وهي ضرورة استبعاد الفهم التام عن الافتراضات التواصلية مقارنة بتعدد الخطابات التي تتطلب دراسة بتقنياتها وأنظمة تعبيراتها لذا يجب قراءة الملاحظات الخاصة بالمعنى واللغة والتواصل فالبلاغة مثلا تهتم بالشكل وبالمعنى في حين أن التداولية تدرس استعمال الشكل وتودُّ الوصول إلى المعنى.
4-1- مقولات تنشيط القراءة عند إيكو:
وإيكو يتعامل مع النص على أنه آلة كسولة ترغب في"قارئ نموذجي" يعمل على التنشيط والتوليد والتأويل كما فعل الكاتب في البناء والتكوين، وقد طرح ميكانيزمات القراءة من خلال تحديد المقولات الثلاث العالمة على تنشيط القراءة وهي: الموسوعة، الوقع المفترض، والعالم الممكن-5-.
وسأحاول في هذا المبحث تبيان كيفية تحقيق هذه المقولات الثلاث لقراءة نشيطة تساهم في خلق تواصل فعلي بناء ومثمر.
- مخطط جاكوبسون (Jakobson)-6- للتواصل: (أ)
السياق
الـمقام

السامع
الـمتكلم
الشفرة
الرسالة
السامع

التبليغ
المعنى المقصود
الـمشافهة
قناة الاتصال
النص  

ويمكن إضافة المخطط التالي: (ب).
المقصدية

المتكلمين


الإفادة

المخاطبين

الاستعمالات العادية للكلام

السياق (حال، مقام)


و
كما لا نغفل مخطط "تمام حسان"-7-: (ج).
المرسل المتكلم (خطيب، شاعر، كاتب)

الرسالة

المستقبل (السامع، القارئ، الناقد)



                              حول الموضوع

وظيفة توجيهية وظيفة إحصائية   وظيفة وصلية                         وظيفة إعلامية                     وظيفة جمالية

ولنفترض أن المخططات الثلاث (أ)، (ب)، (ج) (الباحثة في العملية التواصلية بلاغيا وتداولا أي تداوليا) تمثل الأركان الأمثل والنموذج المقاس عليه في العملية التواصلية أو بعبارة أخرى لنقل أن هذه المخططات هي القاعدة الأساسية للتواصل التي سنرى مدى توافق آراء ومقترحات إيكو معها وبالتالي سنجيب عن إشكالية مهمة وهي: هل يوجد تواصل صريح أو ضمني أو دعوات إليه في أبحاث إيكو؟
والجواب-8-: بالتأكيد إيجابا، فالموسوعة هي رصيد لغوي وثقافي ضارب في سياق اجتماعي، والموقع المفترض أو الموضعية يمثل أداة ميتا-نصية تداولية ومنطقية، ثم العالم الممكن والذي يبني سلسلة من المرجعيات المكنة وتعد من آليات القراءة القائمة على ثلاث مستويات: 
بما هو أداة ضرورية للقارئ الكفء.
باعتباره مسجلا في النص.
بتوجيه السلوك المقترح (Propositionnel) لكائنات النص ومكوناته.
يعتبر "أمبرطو إيكو" العمل الفني رسالة غامضة، أي أنه كثافة من المدلولات المتواجدة في دال واحد. وهذه المسلمة عن الأثر المفتوح انطلق منها في كتابه "الأثر المفتوح" وهو عبارة عن توسيع نظري لمداخلة بعنوان: "إشكالية الأثر المفتوح" قام بطرحها سنة 1958 في الملتقى الدولي للفلسفة.
يفهم إيكو الأثر على أنه انفتاح تأويلي قائم على دورة التواصل بين الكاتب والمتلقي (Récepteur) بحيث لا يرى في عمل الفنان أو الأديب المنتجين للجمال إلا مشروعا من خلال رسالة تحمل موضوعا بغرض التوصيل والإقناع.
ولعل الخلفيات المعرفية والمرجعية المحورية في كتاب ألأثر المفتوح، هي نظرية التواصل والإخبار المستمدة من حقل السبرانيات (La cybernétique) والتواصل الذي يشمل الإخبار، ولكن لا يستطيع استنفاده، فكل إخبار عبارة عن تواصل، ولكن ليس كل تواصل عبارة عن إخبار؛ لأن الكثير من الرسائل لا تحتوي على عنصر الجدة، مما يجعلها مرات عديمة المعنى: فأن أقول مثلا "إن باريس هي عاصمة فرنسا والجزائر هي عاصمة الجزائر"، فإنني لا أضيف للمستمع شيئا جديدا، لهذا لا مناص أن ينجر عن ذلك غموض ما بل انعدام في الدلالة-9-.
يُعدّ هذا الأمر بداهة عند علماء الاتصال والسيميولوجيا، لهذا يعرفه سيميولوجي صديق لإيكو "كليكينبرغ"، كما يلي: "تحتمل كلمة اخبرا معنى محددا في نظرية الإخبار، أن الإخبار هو ما كان جديدا ومباغتا: لأن أية إجابة لا تحتوي على عنصر المباغتة فهي لا تحتوي البتة على عنصر الإخبار"-10-.
ولم يهتم إيكو بمعطيات نظرية التواصل هذه في مقارباتها للكلام العادي والطبيعي، بل حاول أن يحدد جدلية الإخبار والتواصل في النصوص الجمالية سيما المفتوحة. إن الرسائل الجمالية لا تولد غموضا من النوع التواصلي المباشر، الذي لا يضيف للدلالة شيئا جديدا، بل على العكس من ذلك، يلحظ إيكو، بأن الرسائل الجمالية مليئة بعنصر الإخبار، لأن الغائية المرتجاة من كتابتها تكمن في اختراق الشفرات السائدة والأنساق المرجعية الجاهزة. وكلما كانت العناصر الإخبارية ذات كثافة كلما كان الغموض غائما، وكلما كانت العناصر الإخبارية ضئيلة كلما كانت درجة الغموض سطحية نوعا ما.
ولنأخذ على سبيل المثال مقتطفا من ثلاثية أحلام مستغانمي-11-، جاء فيه: "...ماذا تراها تخبئ في حقائبها الثقيلة، وكتبها السميكة؟ أنيقة حقائبها، سوداء دائما، كثيرة الجيوب السرية، كرواية نسائية مرتبة بنية تضليلية كحقيبة امرأة تريد إقناعك أنها لا تخفي شيئا ولكنها سريعة الانفتاح كحقائب البؤساء المغتربين ..أكلُّ كاتب غريب به قفل، غير محكم الإغلاق، لحقيبة أتعبها الترحال لا يدري صاحبها متى ولا في أي محطة من العمر يتدفق محتواها أمام الغرباء فيتدافعون لمساعدته على لملمة الأشياء المبعثرة أمامهم لمزيد من التلصص عليه؟ وغالبا ما يُفاجئون بحاجاتهم مخبأة مع أشيائه ... الروائي سارق بامتياز سارق محترم لا يمكن لأحد أن يثبت أنه سطا على تفاصيل حياته وأحلامه السرية ومن هنا فضولنا أمام كتاباته كفضولنا أمام حقائب الغرباء المفتوحة على السجاد الكهربائي للأمتعة ... أكان ذلك الكتاب هدية القدر؟ أم رصاصته الأخرى؟ أكان حدثا أم حادثا آخر في حياتي؟ ربما كان الاثنان معا ..."-12-.
ويعتقد إيكو بأن الاستعمال الذي يوليه البشر للأدلة السيميائية، تتوارى خلفه إرادة عظيمة لتبادل ونقل المعلومات، فالمتكلم يروم أن يقر أو يتحدث شيئا لا يعرفه الآخرون، لهذا فهو يتموقع في سيرورة تواصلية من نوع-13-:
منبع – باث – قناة – رسالة – شفرة - مستقبل

ولنطبق مثلا الحكمة التالية:
"La vie ressemble à un conte; ce qui importe ce n'est pas sa longueur mais sa valeur".
 منبع: الثقافة الغربية.
الباث: Sénèque.
قناة: Langue/ parole.
رسالة: " La vie … sa valeur"
شفرة: *Un conte*
مستقبل: Lecture
لا تخالف هذه الخطاطة الآراء المعروفة في نظريات التواصل، لهذا من الممكن أن نجدها في معظم الخطابات التواصلية مهما تعددت وتنوعت. وقد لاحظ أمبرطو إيكو بأن الرسائل الجمالية خاصة الراديكالية منها، محاولة مؤلفيها مسف الشفرات المساعدة على ضمان العملية التواصلية واشتغالها. وعن هذا يعبر في كتابه (الدليل): "من الأجدر أن نختزل السيرورة التواصلية التي تنعدم فيها الشفرة، أي تنعدم فيها الدلالة، إلى سيرورة أخرى من نوع محفز- استجابة"-14-
لا يقصد إيكو من استثماره لهذا المبدأ البافلوفي أن الرسائل الجمالية تنحصر وظيفتها في عملية تشريط سطحية تنعدم فيها الدلالة، فالأديب مهما بلغت تغميضاته درجة قصية من الإبهام السديمي، فإنه يحاول، ولو لا شعوريا أن يتفاعل تفاعلا تواصليا نمن نوع خاص مع متلقيه. فقولي الحكمة التالية "آفة العلم النسيان" والتي قابلها في اللغة الأجنبية "Le fléau de la science c'est remèdes l'oublie" قد تبدو غامضة للوهلة الأولى ولكن وبعد فك رموزها وشفراتها تخلق تواصلا مع المتلقي. ولهذا يمكن أن نعتبر السيرورة محفز – استجابة بعدا واحدا فقط من أبعاد التجربة الجمالية. ولا نخرج قيمة الانفتاح من أن تكون وتعرف حسب إيكو تتكاثر وتعدد من المعاني المحتلمة في رسالة ما ... أي كتكاثر إخباري-15-.
إن النموذج التواصلي الذي اعتمده إيكو كان نموذجا تقريبيا استشكافيا، فإيكو على علم تام بأن هذا النموذج لا يخلو من نقائص وثغرات معرفية، فالوصف السيميائي-16- لا يمكن أن يتوقف عند دراسة الوظائف التواصلية، بل عليه أن يدرس قائمة الأدلة واشتغالات الأنظمة-17-.
فالخطاطة التواصلية تسمح فقط بالتعرف على الوظائف وليس على الأشكال، أي معناه أنه يمكن لوظيفة واحدة أن تجسد بواسطة أشكال مختلفة، كما يمكن لشكل واحد أن يحف بوظائف متباينة-18-.
ينطلق إيكو من فرضية [ المواضعة الثقافية] حيث يقول: "ترمي إحدى الفرضيات التي تقوم عليها السيميائية حاليا، إلى أن كل سيرورة من الواصل تتبنى قواعد وشفرات تتعكز على مواضعات ثقافية، فلو انتابنا شك ما بأن الأدلة تنتج بطريقة حدسية، ومشاركات عفوية واتصالات روحية صرف، خارج كل وساطة اجتماعية، فإننا نقر بأن السيميائية لا وجود لها".-19-
4-2- الأنظمة السيميائية عند إيكو (التقسيم المنهجي):
الأنظمة السيميوحيوانية: العناصر التواصلية عند الحيوان، تتبع السلوكات البيولوجية أثناء عملية التواصل ...
الأنظمة الشمية: شفرة العطور، الأمارات، indices
التواصل اللمسي: يعد من مجال البسيكولوجيا (Psychologie) ساهمت في تطوير التواصل بين العميان، تشمل السلوكات الاجتماعية مثل: القبل، الصفع، الضرب على الكتف ...
- شفرات ذوقية: الانتروبولوجيا (كلود ليفي شتروس)، مجالات الطبخ ..
- أنظمة لسانية حافية: التواصل اللساني، دراسة الكفائية الداعمة، دراسة الصوت ..
- السيميائيات الطبية: الأعراض المرضية كأمارات الأمارة (بيرس).
- الأنظمة الحركية: الانتروبولوجيا الثقافية، شفرة ثقافية ...
- الشفرات الموسيقية: وصف الحقل التواصلي للموسيقى كنسق مبين بصرامة.
- الطبقات الصورية: الميتاسيميائيات، البديل لنظرية المعرفة على رأي جوليا كريستيفا.
- اللغات المكتوبة والشفرات الملغزة: الغراماتولوجيا، الحفريات ..
- اللغات الطبيعية: ميدان اللسانيات العامة ودراسة اللسان بوصف مستوياته.
- التواصل البشري: أم الفروع السيميائية، السينما (كريستيان ميتز)، فلسفة الصورة (ريجس دوبري) ...
- نظام الأشياء: رؤية الأشياء كحوادث تواصلية من الهندسة إلى الأشياء عموما.
- بنى الحكي: معرفة أنظمة السرد داخل الأنظمة/ الخطابات الحكائية: بحوث بروب، جريماس، بريمون، تودوروف، جينيت...
- شفرات ثقافية: تتبع الظواهر الثقافية ...
- شفرات ورسائل جمالية: لا تسمح كل شفرة إلا بالاستعمال الجمالي لأدلتها الخاصة ...
- التواصل الجماهيري: الاهتمام بالرواية البوليسية، الثقافة التلفزيونية، نظام الموضة ...
التواصل (إيكو)
- الأنظمة البلاغية: البحث عن أنساق للتحكم في الإقناع، الحجاج، المحادثة ..


     الجماهيري                    بشري                         اللّمسي                البصري
يُعَدّ إيكو واحدا من الباحثين الذين دعوا إلى تطوير الدراسات اللغوية بدراسة استعمالها في التواصل في إطاره الاجتماعي وكان من المشاركين في دراسة السياق الذي يجري فيه التلفظ بالخطاب اللغوي وتحليله وتأويله وتبيان مقاصده وكذا معرفة أنواع السياقات وإدراك مدى تأثيرها على توليد الخطاب-20-.
ولعل الاتجاه التواصلي تجسد في عدة مناهج، حيث كونت لنا إيكو التداولي-21-وإيكو النحوي (النحو الوظيفي)، وعالم اللسانيات الاجتماعية، فإيكو محلل الخطاب-22-
وعلى الرغم من تعدد هذه الدراسات، وخصوصية كل منها في ارتكازها على جوانب مختلفة إلا أنها خليط في قالب واحد هو التواصل، لذا حاول إيكو مع غيره تحديد هذا العقل ومعرفة كيفية حدوثه واستراتيجيات المرسِل انطلاقا من مبدأ اجتماعية النشاط التواصلي ونظام مقتضيات اللغة المستعملة فيه ومن أهم خصائصه المؤثرة:
الاشتراك في العلاقة والمكان والزمان والمعتقدات والهدف الذي يبني الخطاب.
يجوز التواصل باللغة، كما يجوز بالعلامات والإشارات والرموز (أي سيميائيا).
التواصل فعل تخطيطي محكم ذو مقاصد أهمها: التبليغ والإقناع.
يعمل التواصل على احترام العرف الاجتماعي وان اختلف من شخص لآخر-23-.
ومن أهم ميزات هذا الاتجاه هو اتجاه توظيف اللغة الطبيعية ومراعاة قواعدها ومستوياتها التركيبية والدلالية والصوتية وبالتالي تحقيق مقاصد التواصل وتأويل الخطاب، في حين تميزت الدراسات ذات الإطار العام للتواصل بأنها لسانية مرنة وهنا يتجلى الفرق بين الاتجاهين، كون المنهج الأول بشقيه غير معتد بما هو خارج نظام اللغة أو بما يحيط بها، كما لا يعترف بقدرتها التأثيرية في بنيتها الداخلية، بينما الاتجاه الآخر يحفل ويحتفي بسياق الإنتاج وأثره في بينة الخطاب..

الثلاثاء، 19 يوليو 2011

أنا المبعثرُ .

عبداللطيف الحسيني .








ل( جان دوست).
هذا الواقِفُ أمامَكم صنعَه الشارعُ الذي ألقى عليه ظِلالاً أو طبعاً ملائِكيّاً , تنفّسَ مِنَ الحياة أجملَها منذ أربعةِ أشهر, حتّى  ظنَّها ضرباً تخييليّاً هَدَرَ أمامَه ليودّعَه بعدَ برهةٍ , كان فيما سبقَ من عمره المقصوف ضائِعاً- طائِعاً (أكثرَ من أربعين عاماً عجافاً مرميّاً ) يصادقُ جارَه العربيّ ليكسوَه اللغةً هي الأفصحُ من بين الرطانة التي شابت الحديثَ . صادق المسيحيَّ مراحلَ شبابيّةً , و ارتاحَ معَه , وأراحَ كتفََه جنبَ كتفهِ الموشوم نقشاً أزرقَ :(أدرْ خدّكَ الأيمن إنْ صُفِعَ الأيسرُ), بل دخلَ معَه كنيسةً ليتعرّفَ العالمَ من الجديد أجدَّ , كان اليزيديُّ خليلَه في ليالٍ هي الأكثرُ ابتهاجاً في إحدى القرى مُصَاحِبَاً صديقاً (غائِباً الآنَ) يضربُ كأساً نبيذياً بكأس  مَرَح الحياة . هكذا لملمَ الواقفُ أمامَكم حياتَه , فلا تبعثروه مجدّداً , ففي تبعثره عمرٌ قد لا يجيءُ إلا ومعَه خرابٌ روحيٌّ . اتركوه يغنّي في الطرقات كما شاءَ له الغِنَاءُ شجيّاً , ومتى شاء له الطريقُ وأفاض .
الواقفُ أمامَكم تركَ شهقةً في كلّ مدينةٍ : لربّما سلّم على "المغنّي" دونَ أنْ يعرفَه , وبارك لحَنجرةٍ صدّاحةٍ تفورُ غناءً راقصاً في كلّ زاويةٍ أو منعطفٍ يضجُّ بظلالٍ متعطّشة .
الواقفُ ها هنا تعدّديٌّ , وزّعَ نَفَسَه في النفوس نابضةً, ووزّعت النفوسُ فيه تلك المَحبّةَ الشاسعة حين يتملّى وراءَه ليرى الدربَ شوكيّاً قابلاً للتخطّي مهما بدا ب(مسافاته الطويلة) .
الواقفُ لن يمَلّ , وإنْ لاحَ أمامَه كلُّ غدّارٍ أومكّارٍ أو خوّان .

الأربعاء، 13 يوليو 2011

وجوهٌ من فوق شرمولا .

 







عبداللطيف الحسيني فوق شرمولا .
إلى وجوهٍ عرفتُها .

إنّني هنا فوقَ التلّ , وقد وجّهتُ وجهي إليكَ متربّصاً - مدوّناً كلّ الأقنعة التي خُلِقتْ:
الوجه الأوّل : خلعََ قناعَه, وباتَ شأنُه مكشوفاً , يمرُّ في الشارع ولا يسلمُ عليه أيُّ مارّ , فيدّعي بسمةًً صفراءَ على وجهه  تدلُّ على حجم استهتاره بنفسه و بغيره .
الوجه الثاني : تمرُّ الصرخاتُ به فلا نراه إلا مختبِئَاً وراء نسوةٍ تباركُ لتلك الصرخات , ما أقلّ حجمَه ! ما أضعفه ! وقد باعَ راحة الضمير براحة البدن الذي باتَ هشّاً لا إحساسَ فيه . تصوّروا معي جسداً تتكلّمُ هشاشتُه؟ .

الوجهُ الثالث :وحده ألفٌ لا كمجازٍ , بل كمفهومٍ قابلٍ للتمكين والتعزيز حياتيّاً حين تضمحلُّ ذواتٌ اختفتْ من الحياةِ كتابيّاً و ذاتاً , و لم يعدْ لها وجودٌ إلا عندَ مَنْ أسّسَ لها وجوداً ميّتاً على نمط تفكير يكادُ ألّا يؤمنُ به هو نفسُهُ إذا اختلى به .
الوجهُ الرابع : وجهٌ متعدّدٌ , باعَ ماءَ الوجه في مكانٍ أو في أيّ مكان , يختارُ الوجه الذي يليقُ به أو بما يناسبُ مقام القوم .
وجوهٌ كثيرةٌ خلقَها الشارعُ : كلُّها قيحٌ وصديدٌ . ووجوهٌ خلقها الشارعُ نفسُه : كلُّها ابتهاجٌ و إشراقٌ . ابن الشرمولا يتساءلُ : أين كانت تختفي كلُّ الوجوه المعلنة والمختبئِة ؟ .

الجمعة، 1 يوليو 2011

القراءة العارفة

صلاح بوسريف
(المغرب)
1

الناقد قديماً، كان مُهتمّاً بالعمل، بما بين يديه، لا بغيره. كانتِ القيمة، هي ما يُحَدِّد اتِّجَاهَ القراءة. لا ننفي بعض حالات الشّطط التي حدثت، خصوصاً في وضع الموازنات، أو ما عُرِفَ بالخُصومات. لكن الأهم في هذه القراءات، أنّها كانت تُجابِهُ العمل، تقرأه، وتَتّخِذ الوضع الذي من خلاله تُحَدِّد قيمة العمل.
حتّى عندما اختارَ المرزباني في كتاب "الموشح" أن يكشف "عيوب الشعراء"، ويقف على ما يعتري كتاباتهم من لحظات وَهَنٍ في التعبير، أو في التركيب، وفي ما يطال نصوصهم من (أخطاء نحوية وغيرها)، وهي كلها " مآخذ " العلماء على الشعراء، فهو كان يعود إلى النص، رغم ما قد يتبدّى لنا، بين الفينة والأخرى، من ذهابٍ نحو الشّخص.
لم يكن النّقد مُحَابَاة، أو تَزَلُّفاً، بل كان مسؤولية. ما يعني أنّ الناقد كان نوعاً من الضمير المعرفي الذي يُراقِبُ ما يحدث في مجال اهتمامه، ويُبدي رأيه بشجاعة، مَعْرِفَته، وحدها، هي ما يحكم رأيه، وهي الأداة التي بها يحكم على قيمة العمل.
2
هذا النّوع من القراءة بالنص هو ما بدأت تفتقده رؤيتنا النقدية اليوم، وما أصبح عائقاً في الكشف عما يحدثُ حقيقةً، في وضعنا الثقافي، فالخريطة الشعرية، في العالم العربي اليوم، غير مُحَدَّدة بانتساباتها الإبداعية، وبشرطها النصِّيِّ.
جغرافيات عربية قليلة، من خلالها نحكم على الكُلّ، وعدد محدود من الشعراء، ينتسبون لغير الفترة الراهنة، هم من نتّخذهم، نماذج نُعَمِّمُ قوانينها، في الكتابة وفي الحياة، على مَنْ أتَوْا بعدهم، وكأنَّنا ما زلنا نَحِنُّ لرأي القديمين الذين اعتبروا " اللاحِقَ " لا يطالُ " السّابق "، وحكموا لرَجاحة " الأوّل " في مقابل " غيره.
يبقى النص مبتوراً، ناقِصاً، والمشهد غير مُكْتَمِلٍ، أو لا يُمَثّلُ النسبة الإبداعية المقبولة، علمياً، في تأكيد القوانين التي تحكم كتابة مرحلة دون أخرى.
فوضع الشجرة التي تُخفي الغابة، هو الوضع الذي يليق بما يصدر عنه النقد في واقعنا الثقافي. لن أنفي السياب مثلاً، باعتباره أحد الشعراء العرب المعاصِرين الذين كانت إضافتهم نوعية، وساهمت في حَلحَلة بعض الثوابت التي كانت تَحْجُبُ رؤيةَ ما كان الشعر في حاجة إليه من نظر إلى المُستقبل. لكن هذا لا يمنع من نقد تجربة السياب و زملائه، الذين ظلّت القصيدة، في جملة من قوانينها، تحكم رؤيتهم، وتجعل من أفق تجربتهم يبقى أسيرَ حداثة لم تُفارِق ماضيها، أو لم تتجاوز ثوابته التي هي انعكاس لتصور معرفي له شرطه التاريخي الذي ليس هو شرطنا التاريخي، ولا حتى المعرفي.
3
اليوم، عندما يتوجّه النقد إلى السياب، فهو يتوجّه إليه بنوع من الحنينن؛ حنين إلى ماض ٍ، ولو كان غير بعيد. كما أن هذا النوع من التوجّه، الذي ستعمل الجامعة، في ما تُسَمِّيه بالبحث العلمي، على تكريسه، هو أحد أشكال الاستعادة، والالتفات إلى الوراء.
الذين كانوا، في الأمس القريب، يُشهرون رفضهم في وجه " الشعر الحر " ويعتبرونه " مؤامرة " على تاريخنا ووِجدانِنا ربما، هم من أصبحوا اليوم، يقيسون شعرية النص بما كانوا يرفضونه، ويعتبرون هذا " الشعر الحر " أبغض الحلال.
العودة إلى الوراء، بهذا المعنى، هي رفض لكل طارئ، وهي رفض لمواجهة النصوص والحكم عليها من خلال مُقترحاتِها، وليس بما تُضيفه من قيمة للشعر، وبما قد تُمثِّلُهُ من اختراقات، أو ما تحمله من تَوَجُّه نحو المستقبل.
ألم نرفض جبران من قبل، واعتبرنا ما يكتبه لا يُمَثّل أية إضافة، وهو محض هُراء. نفس الأمر وُوجِهَ به أبوتمام من قبل، كما وُوجِهَ به التراث الصوفي كامِلاً... واللائحة طويلة.
4
الأمر إذن، لا يتعلّق بما يطالُ الكتابة من اختراقات، بل إنّ هذا الكسلَ الذي نطمئنّ له، والأنماط المُكَرّسة التي لا نرغب في قلبها، هي ما يحجب رؤيتنا، ويجعل من تصوُّراتنا تشرط وجودها بالمُتاح ليس أقل.
5
أعود أدراجي إلى الوراء لأقول، إنّ الحَجْبَ الذي يطال النص، ويجعله بعيداً عن نظرنا، هو أحد أعطاب هذا المأزق الذي يوجد عليه النقد اليوم. فهو نقد استرجاع. نقد تعميمي وتعتيميّ، لأنَه لا يمسُّ إلا الجزء الذي نحكم به على الكلّ؛ الشعر العربي هكذا، وكأن ما يُكتب في مصر وبيروت... هو الشعر العربي كاملاً، أو هو النموذج الذي به نكتفي في تشخيص واقع الحال، وما تبقّى هو مجرّد تنويع لا أكثر.
6
النّظر في النص، يبقى أحد أهم شروط القراءة العارِفَة. فهذه السّطحية، في النظر إلى الأشياء، لا يمكنها، بأي حال، أن تكون شرط معرفَةٍ، بقدر ما هي لحظة احتباس وتَعَثّرٍ في وجه أي خَطْوٍ، به نسعى لمُلامَسَة تُخوم عوالِم، ما زالت تُنَاهِزُ المَجهولَ، وتَتَمَنَّعُ باستمرار.
كما أنّ ما نُسَمِّيه بالمسؤولية، تفرض على كُلّ مَن يخوض في مجاهل المعرفة أن يتعامَل مع الظواهر من خلال ما تفرزه، لا من خلال ما هو مُعطىً بصورة قبلية وسابقة. كثيرة هي القراءات التي تكون سابقة للعمل، ومُهيَّاة، حتى قبل أن يكون العمل وُجِدَ أصلاً.
مَن يعود لقراءة ما يُكتب اليوم من نقود، أحصرها هنا في الشعر فقط، سيجد أن اللغة هي نفسها، وأنَّ كُلّ الشعراء رَاءُونَ، وأنّ الشعر هو نفسه، أينما حَلَلْتَ، والأدهى من هذا كُلِّه، أن الناقد الواحد حين تقرأ كتاباته، تجد الفرق بين نص وآخر، فرق في أسماء الأشخاص، وعناوين النصوص أو الدواوين فقط، في ما الكلام هو نفسه، لازِمَة واحدة تتكرّر، لا تنويع ولا اجتهاد، وكأن العالم كله سطح واحد لا شيء فيه يشي بالاختلاف أو التنوُّع.
7
في هذا، إذن، ما يُؤكِّد أنّ النقد، بهذه الصورة، هو نقد مُجامَلات وتَزَلُّف، وهو كتابة عن أشخاص. إطراء وتمجيد، كما هو شأن إعلامِنا الذي لا يُظهر من صور الواقع سوى ما يشير إلى الكمال.
الكتابة، في مختلف الأصعدة، لا يحكمها إلا ضمير الكتابة، وهي تَجَرُّد، وذهاب إلى قيمة العمل. وهذه هي الكتابات التي نقرأها اليوم، ونتّخذها كمرجع في بحثنا، وليس ما نُدرك بتجربتنا، وما تشي به صيغ الكتابة وتعبيراتُها، من حضور للشخص لا النص. كما أنّ عودتنا للمقارنة بين ما هو مكتوب عن العمل، وما هو عليه العمل، تكشف لنا فجاجة قراءة، لا شيء يؤهلها لتكون قراءة بالمعنى الذي تُكَرِّسُه كتابات لا تحتكم في تعامُلِها مع النص إلا بما يحمله من قيمة تؤهِّله ليكون شعراً بذاته لا بغيره.
8
إنّ ما نُسَمِّيه بالقراءة العارِفَة، هي تلك القراءة التي تكون ذات صلة بالنص، قراءة وتأمُّلاً، كما أنّها، في تَقَصِّيها، تكون محكومة بشرطها المعرفي، الذي
تّتّخذه وسيلة عمل، وبه، أو من خلاله تُبَرِّر ما تصل إليه من نتائج، لا بما تخوض فيه من نزواتِ ذاتٍ مَشغُولةٍ بالتمجيد فقط.
القراءة العارفة، بهذا المعنى، تخدم المعرفة، وتُساهِم في بناء التصوُّرات والمفاهيم، كما تقترح أفق التّحَوُّلات المُمْكِنَة، التي يكون النص ملاذها. ما دون هذا، من(قراءت)، هي تعطيل للمعرفة، وإتلاف لما يُمَيِّز التّجارِب، وما يمكن أن يكون لحظة تحَوُّل في أنماط الكتابة، وفي تشييدَاتِها التاريخية التي أصبحت مألوفاً، وماءً لا يبرحُ صَبِيبَه ُ.


 

الأحد، 19 يونيو 2011

تسونامي .

عبداللطيف الحسيني .
أبو آرتا – أبو فاطمة : إليهما .









إنّهُ تسونامي ,لن يتمكّنَ المرءُ -  أيّاً كانَ - صدّه أو الوقوفَ أمامَه لمنعه أو تقليل شأنه , أو وقْفه في الوسط , وهو الذي هَدَرَ,وسمعَ هديرَه المرتعبون , أو الذين ارتعبوا لأنه جاءَ مُطهِّراً, وأيُّ تطهير!
المرتعبون – الفاسدون شاءوا البطءَ فيه على أكثر تقديرٍ , أو ثباتَه عند حدّ رغبوه هم , و لم يدروا أنْ لا شفاعة عندَ تسونامي الذي أقبلَ ومعَهُ سنينُ قهر ٍ مكثَتْ سنين عددا عندَ مَنْ لقوا أثناءَها مرَّ الحياة و عندَ مَنْ قبّحَ دنيانا حلوَها (هنا المفارقةُ بينَ مَنْ يحسُّ بتغيير نمط عيش ). تلك السنواتُ قالتْ صمتاً وقهراً وكبتاً , ولم يعلم المنتفعون أنّ ذاك الصمت أوالقهر أو الكبت سوف يتفجّرَ لاحقاً . هذا ما يقولُهُ تشظّي (الإنسان المقهور) حينَ يغلي , وأيّ غليان .
رُكِلَ عهدُ الحياد الجبان عندَ حدّ تسونامي وتفتّت , لن يقبلَ أبناءُ وأحفادُ تسونامي حيادَ القائلين بحياء أو بدونه : لن يجرفني أو يمسّني عهدُ تسونامي هذا القادمُ بغير أنْ أتهيّأَ له !, لكنْ مَنْ ظنّ ظنوناً كتلك , عليه أنْ يراجعَ سوءَ أفعاله أو ظنَّه أنّ الثباتَ سنّّةُُ الحياة الأوحد واهماً نفسَه ومَنْ حولَه ممّنْ ابتغى نمطاً وحيداً أو لوناً رماديّاً للعيش تحتَ كنف (ربّ الأسرة ) , وقد قيلَت تكرارا تلك الصفةُ علناً وبصفاقةٍ دونَ حياءٍ بصوتٍ يعلو ليسمعَه الإلهُ الغضوب .
تفكيرٌ مشلولٌ , أليسّ كذلك ؟
تمكّنَ الشللُ منّا وأقامَ و طابَ له المقامُ زمناً قضمْنا فيه (أنيابنا) , وسطع نجمُ الخجل وخفوت الصوت ليصلَ إلى حدٍّ الهذيان الداخليّ و نقد العقل , فلا إمامَ سواه بعد تسونامي الذي فاضّ وشتّتَ شمل اللون الواحد .
إنّه تسونامي : فلا تغلقوا الأبوابَ والثغورَ التي ستُسوّى بالأرض , جاءَ (تسونامينا) بتعقّلٍ , "فكلّ عقل نبيُّ " كما أراده المعرّيّ وأردناه .

السبت، 18 يونيو 2011

الوشم : نصّ لطيفة لبصير .

كانت خطوط الوشم الدقيقة على ذراعه تعيدني إلى أزمنة غابرة، بقيت أحدق في ذلك الشاب الذي وضع الكؤوس على المائدة الصغيرة وفوق أظافره استقر طلاء أحمر أنيق. تأملته جيدا، إنه فتى وليس فتاة، هذا ما تخيلته بعد أن عاد إلى مكانه. كانت مقهى "القارب الثمل" ثملة كالعادة، حتى بالنسبة لمن لا يشربون الكؤوس. قال لي أحد الأصدقاء: هل تعرفين أن هذه المقهى تحمل اسم قصيدة رائعة لرامبو. كنت أعرف هذه القصيدة، وأعرف أن لها شهرة لم تنلها حين أنشدها الشاعر، بل بقيت لعقود من الزمن حتى اكتشفها شعراء سورياليون فكوا طلاسمها، فاشتهرت بعد صمت رامبو لسنوات طويلة، وحملت العديد من الأماكن اسمها مثل مطعم باريسي. كنت منشغلة أبحث في الوجوه عن شيء ما... عن عواطف الألمان الباردة التي تنقلها الكتب والصحف، لكنني لم أعثر على شيء ما، كل ما أدركته أنهم يتحدثون بهدوء تام، وهم يحدقون في بعضهم البعض، سواء من نفس الجنس أو من جنس مختلف. كانوا يشربون كؤوس البيرة العملاقة التي تعادل أحجامهم الممتدة أيضا، وكانوا يدخنون في الخارج وكأنهم منبوذون من الداخل. أتخيل أنهم سيثورون يوما ما على هذا الطرد للمدخنين، وأستعيد مقاهينا ومطاعمنا التي ما زالت ضاجة بالسجائر التي لا تنتهي. كان المكان يترنح ويتهادى، الأذرع الموشومة كثيرة جدا، ذلك الوشم الذي لا ينمحي، وأغرق في الوشم، وأرى جدتي التي كانت تحاول جاهدة محو ذلك الوشم الذي كان يربطها بعالم قديم. كانت تقول إنها لم تعد ترغب به، وتريد أن تصبح امرأة من زمنها، خاصة بعد أن زال النقاب الكلاسيكي. كانت جدتي قد استعملت جميع الوسائل التقليدية لمحو أثره حتى كادت أن تثقب الجلد، لينتفخ جلدها وتنام لفترة طويلة وهي تعاني من أثر الوشم على الجسد، وبعد أن زال الظاهر بقي الأثر الذي لا ينمحي موشوما إلى الأبد. كانت تلعن التقاليد التي جعلت الجدات يرسمن أشكالا متعددة من الوشم على أجسادهن...تخيلت لو كانت جدتي في هذا القارب الثمل وشاهدت حجم الأوشام على الأجساد وهم يتباهون بذلك، فماذا كانت ستقول؟ أشياء كثيرة لا يمكن أن تفسرها. السيدة التي كانت تجاور مائدتنا تهدهد كلبة صغيرة جدا، حملتها بعطف بالغ وهي تقبل فمها الأسود. كانت الكلبة مرتدية كسوة خضراء جميلة، وكانت السيدة وهي تحادث رفيقها تضع أصبعها في البيرة وتقدمه للكلبة التي تلحس أصبعها وتعيده إلى كأس البيرة وهي تراوح بين فمها وفم الكلبة الصغيرة. ماذا لو رأت جدتي هذا المشهد، لا شك كانت ستعيد الوشم إلى مكانه، وستلبس كل الكلاب الصعاليك ملابس جديدة للاحتفاء بأجسادهم المنهكة.
كنت أهرب من الوشم الذي كان بداخلي، كان يستعاد كل حين، وكنت في كل مرة أرى نقوشه وقد ازدادت في الحفر، وكنت أغيب تماما وأنا أستعيد مشاهد السنوات الماضية الأليمة، كانوا يغيبون تماما عنا هؤلاء الذين نحبهم بعمق، يختطفهم الموت فجأة، ينسحبون ليتركوننا للأثر، الأثر الذي لا ينمحي من القلب، هل كانت الوديان ستنزلني حيث شئت كما يقول رامبو؟
لم تكن الوديان تنزل إلا حيث شاءت، كنت أبحث عن عينيه وسط الجموع. كان دافئا جدا، مرهقا بعذوبة صغيرة، ينظر إلي من بين ترنحات الآخرين، لم يكن يمسك بأي قارب صلب. كان ثملا منذ البداية التي التقينا فيها، وكان يحدثني بوشوشة غابرة، واختفى وسط الظل، ليغيب تماما عن السنوات القادمة، وكنت أودع العام تلو العام وأنا أقتفي أثره مثل الوشم الساكن في قلبي. أتخيل أننا بعد أيام سنودع السنة القديمة إلى سنة جديدة تماما، وتتحول كل الأشياء والصور والأحاسيس إلى وشم لا ينمحي لتزيدها عتاقة الزمن حلاوة. عما قريب سأبدأ في رسم وشم آخر، وكلما ازداد عتاقته انحفر في داخلي إلى الأبد.
كان رامبو يردد قصيدته في هذا القارب الثمل وهو حيران في رقدته الأبدية:"أين ترى أحيانا| غريقا شارد الذهن| تلفه هالة صفراء| ممتقعة| يرسب إلى القاع| وهو مسرور."
وكأن الغرق والفرح لا يجتمعان، لكنهما يتجاوران حتما في ظل هذا القارب الثمل الذي نترنح فوقه ونحن في خضم الحياة بين الرغبة في النجاة والغرق الأخير، ولكن بينهما كانت الصور تنعاش بشكل آخر مختلف تماما، وعلي أن أبدأ بصرفها لصالحي، بقيت أستعذب كل الأشياء التي ابتعدت عنها وأوقظها كي تنتعش قليلا من النشوة وكي تطل معي فجر عام آخر، ورأيته هناك... كان يقف وحيدا، وكان ينظر إلي بعمق جميل، وكان يردد أحد المقاطع اللذيذة لقصيدة أبي القاسم الشابي:" أنت لم تخلقي ليقربك الناس، ولكن لتعبدي من بعيد..." ثم رحل.

أفقت وأنا أستحضر كل المقاطع الجميلة التي استعذبتها في زمني والتي وشمت حياتي للأبد، وأعدتها إلي كي أستقبل بها قاربا آخر يترنح كل عام، يبحث بذهول وسط الأهوال عن أصوات أخرى ترافقه في العام القادم وتجاور حياته ورغبته للأبد.
أشكال كثيرة وصور توشم حياتنا بلا نهاية، ننساها في بعض الأحيان ثم نعود لتذكرها كلما هبت أغنية تعيدها إلى الحياة، وكلما ازددنا بعدا عن الذاكرة حاولنا أن نعيدها إلينا وكأننا نخشى عليها أن تمحو الأثر الذي نرغبه. لا نريد أن تغيب الآثار القديمة عن أجسادنا التي تتغير يوما عن يوم... وحتما نرغب أن نتمايل قليلا فوق قواربنا التي لا تنتهي.